مقاهيَّ

null

نحن في ( جدة ) متأثرين بالبيئة المصرية من ناحية ارتياد المقاهي وجعلها المأوى الدائم لنا بعد المنزل والعمل !
الجلوس بالمقهى هو أشبه بحالة من البث والهدر لما يعتلج في دواخلنا من هموم ملونه أحياناً !
لازلت أتذكر والدي عندما كان يأخذني معه الى بعض المقاهي الشعبية القديمة قبل ثلاثين عاماً ، في ذلك الوقت لم تكن مقاهي جدة كثيرة كانت تعد على أصابع اليد ، ولكن كانت تحمل في طياتها الكثير من البهجة والمتعة ، كانت كما يقول أبي : واحة للعابرين وتسلية للمهمومين .
فقد كانت المقاهي في ذلك الوقت تشكل نوعاً من التواصل العميق بين أفراد المجتمع ، كانت هناك شفافية الى أبعد الحدود ، بمجرد أن يجلس فيها الشخص تجده يتكلم مع من بجواره مباشرة دون تكلف أو تردد ، نادراً ما تجد شخصاً يجلس منفرداً !
علوان يقول فيها : (( أشعر بأن المقاهي القديمة أكثر من مجرد مقاهٍ أحياناً إنها دفاتر تاريخ إنها أيضاً مناهج اجتماع ومراجع سياسة وكتب آداب ومؤشرات اقتصاد أحياناً ، المقهى العريق يشبه جامعة شعبية غير مستغلة جامعة شعبية بدون قبول وشهادات تؤهل للاندماج في تراب المكان )) .
هذا هو المقهى العريق !
أما بالنسبة لنا في جدة فكل مقهى لدينا هو مقهى ثقافي وكل تجمع فيه مهما دار هو جزء من الحراك الثقافي الاجتماعي الذي لا يشوبه انقطاع أبداً !!
وبالنسبة لي شخصياً فأنا لدى في كل جوانب مدينتي مقاهٍ أزورها بحسب الظرف فبعض الأحيان أزور ( البلد ) قلب جدة لمجرد الهروب من صخب الشمال ورؤية الأصدقاء فيكون عندئذ مقهى ( باب شريف ) المتهالك مقصدي وهو مقهى عمره أكثر من سبعين عاماً ، وتحت شجرة النيم العتيقة قد أفكر وقد اكتب أحياناً أو قد أتعرف على غريبٍ لفظته المدينة البائسة !
أما في حالة إذا أتى ضيف غريب لا يعرف جدة فلا أتردد أبداً من زيارة مقهى ( الفيشاوي ) لشرب الشاي ومشاهدة ( المظلوم ) و ميدان البيعة والقشلة ورؤية قبر أمنا الأولى ( حواء ) !
هناك مقاه للطبقة الأرستقراطية والموسيقى الهادئة روادها أناس حمر لديهم مؤاخرات كبيرة يتفيهقون بلغات شتى هؤلاء أبتعد عنهم لأنهم يلوثون علينا الهواء دائماً !

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الصورة : طاولتي في قهوة باب شريف :)

أبوابها مؤصدة

null

مذهبي أن ألج البيوت من أبوابها ، وأنتِ لا بابٌ يؤدي إليكِ ولا نافذة !

قالت : ستجد ثقباً في السقف !

لم تعلم أني اختنقت قبل أن أجد الثقب !!

26/6

null

الصبايا يوم الخميس الماضي لم يزرعن البهجة في قلبي فقط ، لكنهن جعلنا الحياة الروتينية تتوقف من اجل ليلة جميلة !
إلحاحهن لم يجعلنِ أستوعب ماذا يدور ..
لم آخذ حماماً ساخناً وبالتالي لم أبدل ملابس القذرة بملابس تليق بتلك الليلة ..
منذ أن ركبت السيارة التي تصدح بالفرح علمت أن هناك شيئا ..
كن خمسة وسادسهن أنا ، وسلوم سابعنا ..
توقفنا عند Apple Bee’s :)
أجواء كأس العالم مسيطرة على المكان ، شكيرا لا تغني فقط :)
طلبت وجبتي المفضلة :
قطعة ستيك مع الفطر
بطاطس مهروسة بالثوم
خبز محمص
كولا مثلجة
سلوم محتار بين البرغر وبين طلبي وأخيراً اقترحت عليه انه لا مانع أن يشاركني في حالة إذا أعجبته وجبتي.
العشاء كان لذيذاً جدا ..
خرجنا
شكرتهن على العشاء الجميل واللذيذ ..
- الآن للمنزل
صرخن بصوت واحد :
-باسكن !
استجبت فوراً ؛ إذا كانت هناك صعوبة في إقناع امرأة واحدة عن الرجوع عن رغبتها كيف إن كن خمسة !

null
باسكن روبنز ..

كانت هناك وشوشات !
ثم عرفت أن القضية ليست مجرد دعوة للعشاء ..
ثم كان الصخب وكعكة اسكريم هائلة تخبرني انه مضى على زواجي من صاحبتي 9 سنوات .
26/6 كان يوماً تاريخياً مليئاً بالانتصارات وخيبات القبيلة !
شكراً لزوجتي الصبورة التي تحملت عناء -عقد إلا -من الجنون والنزوات ، والمفاجآت ( اللي مال أمها داعي )  :)

شكراً للجميلات ..
دانية
أروى
أسماء
سمية
سلوم الذي كان عطراً ذكورياً رائعاً تلك الليلة ..
هيمو / دحمي : خيرها في غيرها يا حلوين … أنشعفتو :)

ستكونين بخير

null

قصص للأطفال : ستكونين بخير 5-7 سنوات
تأليف : إسراء الحربي
رسوم : ثريا بترجي
دار : كادي ورمادي
سنة الإصدار : 2009 م

في هذا الكتاب تتناول الطفلة المبدعة / إسراء الحربي قصة معاناة والدتها الدكتور / سامية العمودي مع مرض السرطان ، بداية المرض ، الفحوصات ، حيرة الأم في مصارحة الأسرة ، العلاج ، اللجوء الى الله واحتساب الأجر ، مشاعر الأبناء ، علاج الكيماوي ، تساقط الشعر ، العودة الى الحياة الطبيعة .
كل هذا كتبته إسراء بأسلوب عفوي بريء وجميل .
صاحب ذلك رسوم معبرة وجميلة قامت برسمها الرسامة / ثريا بترجي .
تأثرت عندما قرأت الكتاب رغم انه للأطفال ورغم أني في الثلاثة والثلاثين من العمر !
ربما لأننا تقاطعنا سوياً في هذا الأمر !
فقبل عام ونصف مرت علينا أيام سوداء عندما انفجر ورم خبيث داخل أمي ، وقد كتبت عن هذه الأيام في مدونتي ، عندما قرأت الكتاب كان ذلك بمثابة ( فلاش باك ) للأحداث التي تقاطعنا بها .

قد أختلف مع الكاتبة الصغيرة في أمر واحد هو أن أمها راضية عن كتاباتها بخلافي !

على كل حال هي الآن بخير : )

شكراً إسراء
شكراً ثريا
شكراً كادي ورمادي

 

 

أقتات الصحو ..

null

” يفتش في الحلم عما يريد وحين لا يجده يصطاد الصحو ”
                                                                                              إبراهيم نصر الله
..

رأيتكِ مرتين هذا اليوم وفي الحلم الأخير توسدت ساقيك الأبيضين ونمت كما ينام الأطفال ..
بما تفسرين ذلك ؟!

حلم أول ..
كانت الطفلة ذات القرط ، لا تكف عن الكلام تلبس جنـزاً مخرقاً يلي مؤخرتها ،وانت تربتين على مؤخرتها وتبتسمين ، أما الثانية تنظر لي وهي تبتسم ، لم تكن هناك جهة بل أنت توليت القيادة الى جهة ما ..

حلم ثان ..
الطائرة التي كنتِ على متنها لوحدك أقلتني أنا أيضاً !
بعد حين وهي تقطع أرض الجزيرة كان لا بد لها من أن تهبط اضطراراً ، فهبطت في قريتي التي كان يشقها نهر عظيم وتقل على أرضها طائرات صدئة صغيرة !
نزلنا ، كنتِ مسرورة بذلك الهبوط ولكن الفرحة ذهبت لأنهم فصلونا بحجة ( عيب ) !
في آخر الليل انسللت من بين ظهرانيّ القوم ذهبت لكِ ، تجولنا في أنحاء القرية حتى أسفر الصبح ..
ضحى بدأ الجميع في صعود الطائرة حلقت بنا ، في المساء كنت أحبو بين الركاب لأجدك مادةً ساقيك ونشارة فستانك الأصفر الطويل عليهما ، اقتربت منك كهرة أليفة توسدت ساقيك ثم نمت ..

الصندقة

null

null

جدة: خالد المحاميد
جريدة الوطن

وصف الروائي عواض العصيمي الأمسية التي أحياها القاصان صلاح القرشي وطاهر الزهراني في مقهى هافانا بالعاصمة المقدسة أول من أمس بأنها بمثابة رد اعتبار للقاصين بعد أن وجه نادي مكة الأدبي لهما الدعوة لإحياء أمسية قصصية ثم ألغيت بحجة ترحيلها إلى السنة المقبلة.
وبدأت الأمسية التي أدارها خالد المرضي، بمقدمة مرتجلة عرج فيها سريعا على تجربة القاصين. وقرأ القرشي مجموعة من النصوص القصصية القصيرة التي تعتمد على التكثيف اللغوي، ومنها نص (الشايب)، ونصوص أخرى من مجموعته الأخيرة (أيام)، كما ألقى الزهراني عدة نصوص منها نص (الصندقة) الذي يحمل اسم مجموعته الأخيرة الصادرة عن نادي الباحة الأدبي.
تفاعل الحضور في أجواء حميمية طغت على الأمسية، وعلق محمد النجيمي على بعض النصوص القصصية مركزا على الاستعارات الكثيرة في نصوص القرشي التي يحاول فيها القاص أن يلامس اللغة الشعرية العالية، كما وصف النجيمي قصص الزهراني بالواقعية البسيطة ولكنها في الوقت نفسه عميقة.
واختتم المداخلات الشاعر خالد قمّاش الذي أوضح قناعته العميقة بالقصة كفن قابل للقراءة وليس للإلقاء، إلاّ أنه عبّر عن متعته لأول مرة عند سماعه لقصص الأمسية مع أنه حضر أمسيات قصصية كثيرة، مشيراً إلى أن أجواء الأمسية البسيطة والبعيدة عن الرسمية أعطتها بعداً آخر من الجماليات التي تفتقدها غالباً في إطار المؤسسات الرسمية - على حد تعبيره. واحتفل الجميع بتوقيع مجموعة (الصندقة) لطاهر الزهراني، ومجموعة (ضيف العتمة) لخالد المرضي.

null

-ضيف العتمة / مجموعة قصصية .
-للقاص / خالد المرضي الغامدي .
-من إصدارات نادي الباحة الأدبي / 1431هـ .

عشرون عاماً وهو يكتب القصة القصيرة ، و ها هو الآن يقدم إصداره القصصي الأول ” ضيف العتمة ” !
الكتاب حوى في جوفه (19) نصاً قصصياً في (121) صفحة مدهشة من القطع المتوسط .
..
صفحة الإهداء كانت معزوفة هادئة وحزينة جداً ، يفوح شذاها برا ، يهدي مجموعته وباكورة أعماله الى البيت !
” إلى بيتنا في القرية حيث تأوي العصافير بعد رحيل الشمس والقمر ” إذا كان ذاك فلا أحد يستحق إلا البيت الذي تأوي إليه العصافير ؛ لأن الشمس والقمر لن يعودا !
ومن بيته الذي في قريته الى مدن إسمنتية ذات ( نوافذ مغلقة ) ليصف لنا السارد بؤس المعلم والمتعلم ، بكوميديا سوادء فنحزن لذلك المعلم الذي يضخ مواداً ما تلبث إلا أن تتلاشى في الهواء بعد انتهاء الضخ الذي يقدر بـ ( 45 ) دقيقة ليذهب جهده سدى ولتتراكم الخيبات الى أربعة عقود من حياة معلم الصبية !
ومن الأرواح الحالمة والمنهكة في قصة ( أرواح ) لننزلق في ( بقعة سوداء ) ليترك لنا الكاتب مجالاً لالتقاط الإشارات المتناثرة لمعرفة الدلالة ، لنلج بعد ذلك في علاقة الأب بابنه في ( الحرب يا بني ) لنعيش أجواء متوترة ومخيفة ” إني أشم رائحة البارود تعلق في الهواء ، تزداد كثافتها لتصبح كرائحة البيض الفاسد ..استمع ..هذا أنين الجرحى وصراخ المصابين ” ليسبر الكاتب كل حواسنا ثم الى الصمت ، والصمت هنا حالة من الاحتجاج المرير .
ومن خيبة الإنسان العربي التي يسطرها الأب لابنه الى هم الفرد الذي يبحث عن لقمة عيش جافة كما هو الحال في ( الرقية المكية ) حيث الوصف الدقيق للمواطن البائس الفقير الذي ” مضغته المدينة ثم لفظته كحشرة ” وظف الكاتب بشكل فعّال ومدهش التكرار في هذه القصة ، فجعل من بطل القصة ( حسن ) شخصية قريبة جداً بل جعله ضميرنا المستتر !
” حسن الذي تقوقع ”
“حسن يزرع الشوارع يتأبط ملفه الأخضر …حسن مل من الاخضرار ! ”
“أصفر وجه حسن بعد أن أحمرّ ”
” هرب حسن ..تجرد حسن من همه ، من ذل الأبواب التي لفظته كيتيم ”
وفي نص ( اللوز يحتضر ) يحضِّر لنا المكان بمسحة جنائزية تشوب القرية فيملأ القرية آهات من الحنين وعبق الماضي ليقرر ذلك أيضاً في قصة ( تحت عباءة الليل ) و ( خريف ) و ( قرية خراف وصبية ) حتى حنين ما بعد النزوح ، الذي طال كائنات المكان كما في قصة ( صمت العصافير ) .
لم تخل المجموعة من نصوص ذات مسحة اشتراكية ، فقصة ( سقف من خشب ) يلتقط صور البؤس من زوايا متعددة في تلك الليلة الليلاء ، شديدة المطر والرعد ، حيث الأم والأطفال والرعب وخذلان السقف وموسيقى الأواني المرعبة ثم ينتهي المشهد الدرامي بلحظة تنوير مباغته مضحكة / مبكية ” تقابلت العيون جميعها نحو السقف ومن ثم نحو الأواني الممتلئة ..مرت حالة صمت ثم ما لبثت أن امتلأت الحجرة بقهقهات وضحكات عالية ” ثم تكون المفارقة في قصة ( عندما تدمع الفراشة ) تلك الطفلة التي لم تملك ثمن الدمية فيبتلع الباب ” جسدها المهزوم ، بينما تتعلق عيناها الدامعتان بعروسة ملونة أعلى الرف !” ثم ينتقل بنا القاص الى مشهد آخر من مشاهد البؤس يلتقطها بمنقاش ذكي ودقيق كما في قصة ( إناء المدينة ) فالمواطن المدعوك سائق سيارة أجرة ” تعمّد لبس البنطال والقميص يدس خلالهما وطنيته التي تقف حائلاً دون قوته ” لونه فاحم ، عيناه صغيرتان ، أسنانه صفراء مثلّمة ، سيارته ليس بأحسن حالٍ منه ، مقاعدها ممزقة والمحرك ” يصدر صوتاً يشبه العطسة المكتومة ..وحرارة عالية توجب صيانة فورية للمحرك ” السيارة تقطع مسافة بسيطة فإذا هي تهتز ” كمريض يشتكي الحمى ” ورغم هذه الحالة البائسة ينزلق شريط أصفر في مسجل سيارته ليصدح صوت طلال عالياً : ” وطني الحبيب ..وطني الحبيب ..” !
وهكذا تأتي نصوص المجموعة تصف حال الإنسان من أوجه وزوايا أجاد اختيارها القاص مثل ( ضيف العتمة ) و ( ضوء ) و ( علب فارغة ) و ( محطة وقود ) و ( كرسي الحلاق ) .
أما قصة ( كرات ثلجية ) فهو نص باذخ واستثنائي في مسيرة القصة المحلية ، نص يهز من يقرأ ويتأمل مشاهده ، وقد تناول د / حسن النعمي هذه القصة بمقال نشر هنا في الأربعاء بعنوان : ( توأمة البياض والسواد ) و عن “فرضية العلاقة المتغيرة بين معطيين هما البياض والسواد ، غير أن هذين المعطيين في القصة يتحدان لتشكيل موقف موحد ضد الإنسان”
هذا النص هو سيمفونية فريدة ، التناغم اللغوي والإيقاعات الساحرة تجعل منها أغنية جميلة نرددها دوماً !
كرات ثلجية فعّل فيه القاص التقنية السينمائية ثم جعل من اللغة موسيقى تصورية مذهلة ، الجمل المقتضبة جعلت للنص رنين مدهش ، حتى أن صف النص في المجموعة كان مختلفاً عن بقية القصص .
“حليمة تسوق أغنامها …تغني ..
الشمس تصبغ الأشجار ذهباً …تصبغ الصخور ، هواء باردا ، نسيماً يطوي الحقول ، يطوي التلال ..
والطرفين تستيقظ…تتمطى ، تستند الى جبل ، تتوسد متكأ.. يحنو عليها ..”
ليمضي بنا الوصف ولتقترب الأحداث و ( حليمة ) المسكينة تقف أمام قوى الطبيعة ، فتسوق الرياح السواد فينحط المطر والبَرد فتترك حليمة دُماها وتجمع غنمها تحت شجرة ” حليمة تبكي خوف السواد ، تهرول حليمة ..تبحث ، والبَرد يبتلع الأفق ..يبتلع الجبل ..يضرب حليمة ..تتعثر ، تسقط ..تنهض …بيدها تتقي البَرد ، تخاف البرد ، تبكي وحدتها ، تبكي بهمها والبَرد يقيدها ..يثقلها ..تصارع …والطلح مظلة يحمي الغنم ..بعض الغنم ..”
رغم تحفظي على العنوان الذي سيكون أجمل لو كان ( البَرد ) أو ( حليمة و البَرد ) ، إلا أننا لا نستطيع أن نلوم متخصصاً باللغة الإنكليزية في هذا !
..
الصفحة الأخيرة يكتفي الكاتب بصفحة بيضاء إلا من سطرين :
المؤلف/……………………………
البريد الإلكتروني /…………………..
هو يريد أن يقول للقارئ ليس لدي نتاج إلا هذه المجموعة التي بين يديك ، لكنَّ المجموعة غصة بدنيا وعوالم مكثفة جداً ، عجز كثير من المكثرين من تناولها في إصداراتهم الخفيفة .
..
المجموعة تميزت بلغتها وصورها المتفردة وسردها المحكم ، واحترافية في القبض على زمام السرد بشكل جيد ، يندر في كثير من المجموعات القصصية .
ولا أنسى هنا أن أشيد بلوحات القصص التي قام برسمها الفنان السوداني الرائع عوض الرضي ، فالرضي والمرضي قدما جمال الرسم وجمال النثر فتكوّن لدينا أدب تفاعلي موفقاً في هذه المجموعة .

وحْدَه..

null

1
بعد الغداة تُشد الرِّحال ، يودع القوم النخل والذرية ، يجرون المطايا بلجام الفاقة ، تلسع جنبات القوم سياط المخمصة ، يقلبون نظرهم في الطيبة ، ثم ينفرون إلى الشمال .
خارج العمران موعدهم ، والنجم العظيم لا يتردد في إشعال الدنيا ، ناراً وعناء !

2
الوحيد يحاول أن يدرك القوم ، مطيته دكّها الوهن ، فعجزت عن المسير فبَركت !
حمل متاعه فوق كاهله ، أخذ يهرول في الصُعُدَات ، تلتهم البيداء أقدامه ، وهو يقاول اللظى والرمال .

3
يلتفت المدّثر ، ينظر في القوم إذ جد بهم المسير ، يفتقد صاحب اللهجة الصادقة ، هل أسره الظل ونكص من الثنية ؟
يسمع القوم إذ تسوروا الظنون ، فيغمض عينيه ويقول :
- إن كان ذاك فقد أراحكم الله منه !

4
الصادق يقطع البيداء وحده ، متلثماً بالسواد ، يشق الوقت ، تلطم وجهه الريح ، يطرد الكرى ليلحق بالركب ، يسد جوعه بخبز (ملَّة) يابسة و (أقِطٍ) صلد !
لا يشغل خاطره إلا الراية ، لا يعلم أن جمجمته المغبرّة ستكون صندوقاً لصرخات المعدمين وان لسانه سيكون حساماً يبرزه في وجوه السلاطين وعلمائهم ؛ ليقذف بالحق على الباطل ، ويزرع في الوجود أن البشر متساوين في الرزق ، هو لا يعلم أن منفى (الربّذة) سيكون مصيره !
يمشي ..يمشي..ينظر عن يمينه فإذا بالخيط الأبيض ينحل من فم الصبح ليتنفس !

5
جنود العسرة قرروا الإبّراد بعد أن أضنتهم الشمس ، وكدّهم الهجير ، فنفضوا الرمل عن الأردية ، وأخرجوا من آذانهم وأعينهم بقايا القذى .
ينظر المبشر الى الوراء ، لعل الصحراء تبشر بصاحبه ، لكن الصحراء تضن بالمسرات كما تضن السماء بالقطر ، فيرجع لا يلوي على شيء .

6
وحده ينظر في آثار أرض حديثة عهد بمسير ، فيهرول رغم الوهن ، فتشع من روحه ابتسامة نصر مجيدة ، تقول له : “أركض برجلك هذا مغتسل باردٌ وشراب ” !
ركض عندما رأى القوم حيث أناخوا ، فخلق نقعاً يعرج في السماء !

7
رأى أحدهم شبحاً من بعيد يظهر ويغيب ، يثير نقعه الصاعد تساؤلات القوم ، ويحدث جلبة الظنون ، فيتقدم سيدهم نحو الكثيب ، يتأمل الأشعث القادم ، الذي يسير وحده ويحمل متاعه على كاهله ، ويعلوه النقع ، فيستنير وجه النذير العظيم ، فيشير بيده البيضاء نحو الشبح القادم ، يرفع صوته مسرورا :
- كن أبا ذر ..كن أبا ذر .

بحيرة خالد

null

دخلت الفندق ..
أخذت مفتاحي من موظفة الاستقبال ، كانت تبتسم بتكلف ..
دفعت باب غرفتي بكل فتور ثم أغلقته ..أسندت رأسي عليه بضع ثواني ورأيت على الطاولة بقايا أعقاب السجائر وفنجان القهوة الذي يحمل في جوفه ترسبات سوداء لقهوة الأمس وكومة من جرائد قديمة .
فتذكرت نزار وهو يهذي :
لا تسألي : من أين جئت ؟
وكيف جئت ؟
وما أريد ؟
تلك السؤالات السخيفة ما لدي لها ردود
ألديكِ كبريت وبعض سجائرٍ
ألديك أي جريدةٍ
ما هم ما تاريخها
كل الجرائد ما بها شيء جديد
سأصنع قهوتي وحدي
فإني دائماً ..رجلٌ … وحيد
تغتالني الطرقات
وترفضني الخرائط والحدود
هاتي السجائر وأختفي
هي كل ما أحتاجه
هي كل ما يحتاجه الرجل الوحيد..
أخذت علبة السجائر ..سحبت سيجارة …أشعلتها ..نظرت الى بحيرة خالد ارتميت على الصوفا ثم سحبت نفساً عميقاً وحبسته في جوفي المليء بالحرائق ثم قررت ، قررت أنا الرجل الوحيد أن أنساكِ .. وأن أتعامل مع كل شيء في الحياة بشكل باردٍ وساخر ..

« مواضيع سابقة - مواضيع لاحقة »