
الحزن هو انتقالنا من الكمال الأعلى إلى الكمال الأدنى.
سبينوزا
1
بالأمس كان أخر أيام التعزية ذهب الجميع لم يعد معي أحــد في المنزل لم أجد ملجأ لوحدتي إلا غرفة مكتبك المظلمة دخلت إليها وأضأت الأنوار الخافتة نظرت إلى مكتبك كان كما تركته تماماً كتب متناثرة، قارورة الحبر الأسود ،بعض الأوراق البيضاء ومسودات لبعض كتبك ، نظارتك في نفس المكان لم تتحرك منذ أربعة أيام ..جلست على كرسيك أقلب ناظري في أرجاء الغرفة وفي رفوف الكتب ، فتحت أدراج المكتب ونظرت إلى بقاياك فالدرج الأول كان به بعض الأوراق والأسطوانات والدرج الثاني بعض الأقلام وبقايا الفول السوداني الذي كنت تحبه ، أما الدرج الثالث فلم أجد فيه سوى رواية ( زمن تنهيدة ) هذه الرواية التي عذبتني كثيراً وكأنك وضعتها لي خصيصاً في مكتبك كل كلمة كانت تخاطب روحي وقلبي لأنني ومؤلفة الرواية تقاطعنا في الرحيل ، لكن ( آن فيليب ) ودعت زوجها بعد فترة طويلة وبالتدرج بخلافي ، أنا فقدتك فجأة ودون مقدمات وبلا مرض أو آفة و (بين سحرى ونحري ) شتان بين حالي وحالها !!!
…..
كنت أفكر كثيراً في وحدتي وعيشي مع السواد طيلة أربعة أشهر ماذا أفعل خلال هذه الفترة أي نشاطٍ بشري يمارسه إنسان فقد حبيبه وكُتب عليه القرار في المنزل متلفعاً بالسواد طيلة أربعة أشهر فلم أجد غير هوايتك المفضلة لأنني أقتنعت إقتناعاً تاماً ( أن الكتابة هي الملاذ من الضياع ) لذا قررت أن أكتب عنك يا حبيبي وعن حبنا وعن أيامنا التي عشناها سوياً ، كان هذا القرار مناسباً جداً لظروفي التي أمر بها الآن ..
2
السواد أصبح يملأ حياتي ويسكن بداخلي بل أرتديه وأكتب به ، سمكاتي الصغيرة ماتت بالتدرج ولم تبق سوى سمكة سوداء تعاني الوحدة مثلي تماماً ، أصبح الليل أنسي من بعد موتك أستطع أن أقول إنك خلفت وراءك سواداً شاسعا ..
بعد أن تغرب الشمس ويغزو السواد المنزل وبعد أن ألف سجادتي بعد صلاة العشاء أصنع فنجان القهوة السوداء بكل هدوء وتأني وعلى نارٍ هادئة جداً أحضرها وأحملها معي إلى مكتبك الذي أصبح مكتبي الآن …الأنوار خافته ورائحة عطرك الأسود لا زالت بقاياه في الغرفة ( أنقارو ) ذلك العطر الذي يذكرني بأيامك الأولى معي هو بأريجه الأخّاذ يذكرني بآخر أيامي معك !
جلست على الكرسي ووجهت المصباح على الورقة لأكتب لكن لم أوفق للكتابة ، وضعت القلم وتذكرت كلامك ذات مرة عندما قلت لي : ” لا نستطيع كتابة كل ما في دواخلنا ” نعم هذه هي الحقيقة التي لن أومن بها لأني سوف أكتب ، إن لم أستطع اليوم فغداً فإن لم أستطع فبعد غد وهكذا حتى أخرج الحمم السوداء التي بداخلي …
3
ما حدث بالأمس كان دافعاً لي لكي أكتب…فبعد أن مضى شهراً على موتك أصابتني لوثة فقررت أن أحتفل بموتك ..لماذا أحتفل …لأن الحزن هو مساري الذي ألتزمته بعد موتك ولان مجرد الذكرى والبكاء أمر تقليدي باهت ، لكن الاحتفال خروج عن المألوف لذا قررت أن أحتفل !!!
….
قمت بتنظيف المنزل ثم رتبته بشكل جميل وبخرت البيت بالعود الذي تحبه…جهزت الطاولة ووضعت عليها قطعة من القماش الأسود وفوقها كل ما تحب وشمعة بيضاء في المنتصف ثم أدخلت اسطوانة لمقطوعات زامفير بداخل الجهاز وخفضت الصوت حتى لا يشعر بي احد كان كل شيء جاهز تقريبا .
….
ثم وقفت أمام المرآة بعد أن لبست فستان السهرة الأسود الذي كنت تحب أن تراني فيه دوماً ..نظرت إلى المرآة أخذت الروج الأسود وبدأت ارسم ببطء شديد لكي لا أنحرف عن إطار الشفاه ثم أطبقت على شفتي بدأت أوزع الروج بشكل مقبول ثم حددت الشفتين باللون الرمادي ، ثم بدأت بتظليل الجفون باللون الأسود المدرج ، تناولت المسكرة وبدأت بطلاء الرموش بكل هدوء .
لم أتوقع أن اللون الأسود له هذه البصمة الفريدة على ملامحي ، بدأ وجهي خليطاً من البياض والسواد من الحزن والسعادة من الألم والأمل ليتك هنا .
……
أحضرت مشروبك المفضل جلستُ على الطاولة بعد أن أغلقت النور وأسدلت الستائر واكتفيتُ بنور الشمعة التي أمامي لا أدري هل الشعور بالوحدة هو من يأتي بمثل هذه التصرفات ؟!
كنت أتأمل ذوبان الشمعة وذوبان القلب كأننا نمارس عبادة مندثرة !
فجأة قرع الجرس بشدة ، فزعت كدت أطير من مكاني من يطرق في هذه السـاعة وكيف يجرأ إنسان على طرق باب امرأة لازالت في حدادها البطيء .
كيف لو كان الطارق من الأقارب ورأى هذه الزينة السوداء !!
نظرت من عين الباب فلم يكن هناك أحد ، رجعت إلى مكاني ولازال قلبي يخفق بشدة قررت أن أنهي احتفالي بذلك القرع المخيف الذي بعثر أفكاري وشتت فصول المسرحية !!
…….
قرع الجرس مرة أخرى ذهبت إلى الباب تقدمت بخوف شديد نظرت من عين الباب لم أجد أحداً ، فتحت الباب ووجدت صندوقاً ، فتحته بهدوء وكأن شيئاً بداخلة سوف يهجم عليّ ، أضأت الأنوار وتقدمت إلى الصندوق لأرى ما بداخله كان أول ما وقع عليه بصري قلمك وقارورة حبرك الأسود-كانت إذا بعض بقاياك في مقر عملك- ! أخرجت لفتات أحمد مطر وبعض روايات حنا مينا واسطواناتك وعينة من المسك الأبيض ومنديلك الأبيض الذي طرزته بنفسي والذي لم تزل به بعض رائحتك والأهم من هذا كله وجدت جزءا منك أسفل تلك الأشياء وجدت (نوته) لك ، فرحت بها غاية الفرح .
أرجعت الأشياء إلى الصندوق ووضعته في المكتبة ثم رجعت وحضنت تلك الـ ( نوته ) بشدة وكأني أحضنك أنت أكملت سهرتي لأنك بالفعل كنت معي وعلى ضوء تلك الشمعة سهرت مع دفترك أجمل ليلة مرت عليّ بعد رحيلك !
4
كان المنزل مليءٌ بأنقاضك التي تركتها لي والتي تعيد لي كثيراً من الماضي الجميل معك ، حتى مناشفك ومناديلك لم أغسلها لازلت استنشق رائحة جسدك منها ، لا أعرف هل ما أفعله صحيحاً وهل أنا سائرة في الطريق الصحيح أم أنا مخطئه ….
بالأمس نظرت من النافذة إلى الخارج فوجدت سيارتك قد كساها الغبار اشتقت لتلك السيارة أريد أن أستريح فيها بعض دقائق ، تأملتها كثيراً لن أسمح لأحدٍ أن يركبها أبداً !
5
نهضت من الفراش وأنا فزعة ؛ فقد كان صوت الرعد مخيفاً جداً ذهبت إلى النافذة وفتحتها كانت السماء سوداء وكان البرق يرتعش ارتعاشات سريعة وميض سريع يريد السيطرة على الأرض ولكنه يتلاشى سريعاً بعد أن يطلق صرخته رعدا، أذكر أني كنت أخاف صوت الرعد ، عندما كنت أسمعه لا أجد أفضل من صدرك آوي إليه لكي أحس بالأمن ..كنت تضمني بيديك وتضحك من خوفي …الان اختلفت كثيراً عن ذي قبل ، فعندما أسمع صوت الرعد لا أشعر بالخوف بقدر ما أشعر بالشوق إليك ، كلماً يزداد صوت الرعد أزداد شوقاً وتلهفاً إلى دفئك وأنفاسك وضمك ورائحتك ونبضات قلبك وقبلاتك وأريج عطرك المختلط بعرقك ، ماذا فعلته بي أيها الرجل ؟!!
تساقطت دموعي قبل أن تتساقط قطرات المطر لذا رأيت أن أغلق النافذة .!!
6
بعد انتهاء زمن الحداد التي ذهبت بثقل شديد ، وأصبحت بعد ذلك حرة في انطلاقي وذهابي وإيابي ، اكتشفت أني أدمنت الجلوس بالبيت وأصبحت ( بيتوتيه )!!
في المساء جلست على كرسي مكتبك وأخذت قلمك الذي قد نضب حبره من أسابيع فتحت قارورة الحبر وبينما أنا أسحب الحبر رأيت أن أراجع ما كتبته خلال الفترة الماضية ، بدأت بقراءة ما كتبته عنك واستغرقت في القراءة وبعدت ساعات طويلة وعند أخر صفحة قرأتها تفاجأت أن كل ما كتبته لم يكن عنك بل كان عني أنا !!!
عندها ابتسمت وتذكرت كلامك عندما قلت لي مرة :
-” لا نستطيع كتابة كل ما في دواخلنا ”
ثم نظرت إلى القلم بداخل قارورة حبرك الأسود الذي اكتشفت أخيراً أنني كنت أستخدمه في الكتابة عني نظرت إليه طويلاً ثم نزعته من القارورة وقمت بإفراغه من الحبر حتى أخر قطرة .
تحت قسم قصة |
كتابة رد
مِت هُنا وحييت..!
وهذا كافي.
/
/
مشهد مؤلم
حاصرتها النائبة وقتها توقفت عقارب الساعة
فانتفض القلم ..
يالإرتباكات الصبر لاتلبث إلا ان تنفجر
أثق بقدرتها على النسيان ولكن ستبقى أحلامها
سوداء حتى تفيق من حالة التيه والفقد !!
ماأجمل السرد هنا..
رائعة الحكاية بكل الجمال والألم الذي بين طياتها..
أفكر أحيانا، حين أقرأ شيئا شبيها..
هل يجد الرجل صعوبة في الكتابة بذات أنثى؟
و هل تجد الأنثى صعوبة في الكتابة بذات رجل؟
أشعر أنه من الصعب أن يتقمص كل جنس شخصية الجنس الآخر..
ما رأيك؟
أفكر الآن.. لو قرأت النص أعلاه دون أن أعرف أن طاهر الزهراني من كتبه..
هل سأكتشف بديهيا أن كاتبه رجل و ليس امرأة؟
مريم
ريما
ماسة
آسف كانت جرعة مرة!
أرجوحة
صعب جداً التقمص طالما انه أدم وتلك حواء ولكن قد يحاول كل واحدٍ أن يتقمص دور الاخر في بعض الأوقات .
ما رأيك في خالد بن طوبال ؟
كنت أقول بنفسي أحتاج للحزن الآن
و قادتني الصدفه لمدونتك و أول ما قرأت
الحزن هو انتقالنا من الكمال الأعلى إلى الكمال الأدنى.
سبينوزا
علمت أني وجدت ما أبحث عنه
لا أعلم لم لا يوجد اختراع ما يربط روحين ببعض فحينما
تنتزع روح تذهب الأخرى معها
ما فائدة ان تموت روح و تبقى الأخرى تنوح عليها و تتعذب طيلة الحياة
أكره هذه القصص التي تفرق بين حبيبين
و أكره الموت حينما ينغص على قلبين محبين
شكرًا جزيلًا لك
إن الفقد هوَ أبشع الحزن ..
احببتُ تدرج الأحداث وأسلوب الخاتمة ، طاهر (:
نوفه
تحتاجين الحزن وتكرهينه ..
سكينه
اهلا بك هنا والمدونة بين يديك .