نحو الجنوب

null

الإهداء :

 

إلى أخي الأكبر محمد ..

الذي رحل الى السماء مبكراً جداً !

 

 

من الرواية  :

 

“هناك على ( كوبري الشميسي ) لافتة تشير أن طريق ( غير المسلمين ) الى اليمين ، ذاك الطريق كان طريقنا نحن أيضاً !

الوقوف في ( قهوة الجبل ) كالإحرام من الميقات تماماً ، لابد للذاهب الى الجنوب أن يمر على ذاك المكان ، يملأ السيارة بالوقود ، و يتبضع من محلاته الشعبية ، وإذا كان صاحب مزاج فإنه لا يتردد أبداً عن المكوث ساعة بالقهوة لشرب الشاي والشيشة ! 

….

طريق الساحل المؤدي إلى الجنوب لا يشي أبدا بأن هناك فرقاً بين الفريقين ، ليذهب السائرون فيه إلى الجحيم ! 

طريق الساحل ثعبانٌ طويل في كل شبر منه نابٌ سامٌ يتقرب !

طريق الساحل لعنة من لعنات الله على الأرض خطٌ واحدٌ يلتهم الناس بشبق !

طريق الساحل نعش أسود وعواصفه نائحة ثكلى تزعجنا دوماً ، وجيب أبي ( السوزوكي  ) يشق الطريق الى وادٍ في تهامة أغبر ملعون !!

في هذا الطريق لابد أن تستفرغ ( مرة أو مرتين ) والسائرون فيه ( لا يتوبون ولاهم يذكرون ) !!  

 دماءٌ دافئة على الإسفلت ، مخٌ متناثر ، فروة شعرٍ مدعوسة ، امرأة ميتة شبه عارية ملطخة بالدماء لم تحلق سوءتها بعد ، سيارة مهشمه تماماً ويد متدلية من نافذة السيارة ، وأخرى مثلها غير أن بها وافد قد تمزق واختلط بالحديد ولا زال مسجل شاحنته الصغيرة يصدح بأغنية جميلة غير مفهومة المعنى !!

طريق الساحل لا يشرب إلا الدماء ، ولا يقتات إلا على الأشلاء ممزقة !

في الطريق انفجر إحدى إطارات السيارة فنزلت حافياً وإذ بي واقفٌ في بقعة كبيرة من الدماء !!

غيرنا الإطار ثم أكملنا المسيرة الدامية !

….

بيوت الصفيح منتشرة عبر الطريق توقفنا عند مطعم متهالك ، طلب أبي طعاماً لنا ، بيت الصفيح أرضيته رمل أصفر وعليه ( حنبل ) ممزق وقوارير (كولا ) فارغة ، الخنافس السوداء تتجمع بطرق عشوائية !

 بعد الغداء طلب أبي شاي ( تلقيمه ) و ( شيشة ) ، وعندما تجشأ رأس أبي أكملنا المسير .

الطريق شمس حارقة ودماء سوادء يابسة وجمال سائبة وحمير تدور يوماً كاملاً ليخرج لترين من زيت السمسم ، ورمال  (صفراء فاقع لونها لا تسر الناظرين ) ! ، سيارات من طراز ٍ قديمٍ على قارعة الطريق ، رعاة جففتهم شمس الجنوب وهموم تحت خيام ( الخباتيه ) !! “

 

الغواية لاتنتهي !

null

forrest gump

null

الأفلام المكدسة التي تنتظر ترتيباً على حسب ضوابطي في المشاهدة لم أجد لها وقتاً إلا بالأمس إلا أني أجلت كل شيء لأن فيلماً قد شاهدته عشرات المرات كان يعرض على الـ ( فوكس موفي ) فتوقفت عن كل شيء لكي أشاهدة !
التحفة السينمائية : فورست قمب
رغم تحفظي الشديد جداً على ما تنتجه هوليوود من أفلام تجارية بحته وخصوصاً في الآونة الأخيرة إلا أنها قد تزف أحياناً نادرة أعمالاً إنسانية بديعة .
“فورست قمب ” توم هانكس الذي أدى دوراً استثنائياً خارقاً مدهشاً مبهراً وفق بمخرج بارعا محترف مبدع هو ربورت زيمكس الذي كان مصاحباً له أيضاً في الفيلم الجميل ” كست آوي ” .

يقول أحدهم : ” قد لا تسير هذه الحياة على هوى الإنسان,ويمر عليه من المصائب ما الله بها عليم,وقد يضجر منها,ويتسخط منها,ولكن لو انه امن بالقدر لعلم أن هذه ربما يكون خيرا له في حياته.
وإذا أرادت أن تبين لشخص آخر مدى أهمية ذلك,ومدى أن الدنيا متقلبة على صاحبها,ومن رضي بما قسم له سلم,فإنك لا تعدو أن تقدم له عشرات القصص حتى يتوضح له مقصودك ومرادك.
فما بالك بعمل - ولنقل عمل سينمائي - يجمع لك أكثر من خمسين قصة بتناسق تام وروعه منقطعة النظير,لتبين لك هذا المبدأ العظيم.فورست قمب كان هو ذاك.
قد يقول البعض أوا نأخذ أمورنا العقدية والدينية من الغرب والكفار بشكل عام- أو بالأصح نستفيد منهم في ذلك-.
فأقول نعم وذلك بحدود,وان يكون موافقا لما عندنا, والغرب إنما هم بشر مثلنا يصيبهم ما يصيبنا,وقد يبينون لنا ما يعيننا على فهم بعض مبادئ ديننا الحنيف(سواء بقصد منهم أو من غير قصد).أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أن ينشد عليه من شعر أمية بن أبي الصلت,
لماذا , مع العلم أن أمية كفر برسول الله وكذب به , ولكنه كان مؤمنا بلسانه,وقال شعرا جميلا في توحيد الله والبعد عن الشرك,حتى قال رسول الله عنه:آمن لسانه ولم يؤمن قلبه,لكن هذا لا يعني أن لا يستمع ويستفيد الناس من شعره الداعي الى التوحيد.
أولا وقبل كل شئ,الفلم يورد لنا قصة شخص قليل الذكاء وأبله ، لكنه مقابل ذلك فهو موفق في حياته كلها,وما دام انه مقدر له ذلك فسيحدث لامحاله حتى مع غبائه.تلك الشخصية هي فورست قمب.
جمع المخرج في هذا الفلم فتره زمنية كبيره وأحداث عظيمة,و أورد في قصة رجل واحد أصناف الناس مع القدر,وحظوظ الناس معه”

أقول لكم تأملوا الريشة منذ أهبطت الى أن عرجت !

امرأة من سواد!

null

 

الحزن هو انتقالنا من الكمال الأعلى إلى الكمال الأدنى.
سبينوزا

1

بالأمس كان أخر أيام التعزية ذهب الجميع لم يعد معي أحــد في المنزل لم أجد ملجأ لوحدتي إلا غرفة مكتبك المظلمة دخلت إليها وأضأت الأنوار الخافتة نظرت إلى مكتبك كان كما تركته تماماً كتب متناثرة، قارورة الحبر الأسود ،بعض الأوراق البيضاء ومسودات لبعض كتبك ، نظارتك في نفس المكان لم تتحرك منذ أربعة أيام ..جلست على كرسيك أقلب ناظري في أرجاء الغرفة وفي رفوف الكتب ، فتحت أدراج المكتب ونظرت إلى بقاياك فالدرج الأول كان به بعض الأوراق والأسطوانات والدرج الثاني بعض الأقلام وبقايا الفول السوداني الذي كنت تحبه ، أما الدرج الثالث فلم أجد فيه سوى رواية ( زمن تنهيدة ) هذه الرواية التي عذبتني كثيراً وكأنك وضعتها لي خصيصاً في مكتبك كل كلمة كانت تخاطب روحي وقلبي لأنني ومؤلفة الرواية تقاطعنا في الرحيل ، لكن ( آن فيليب ) ودعت زوجها بعد فترة طويلة وبالتدرج بخلافي ، أنا فقدتك فجأة ودون مقدمات وبلا مرض أو آفة و (بين سحرى ونحري ) شتان بين حالي وحالها !!!
…..
كنت أفكر كثيراً في وحدتي وعيشي مع السواد طيلة أربعة أشهر ماذا أفعل خلال هذه الفترة أي نشاطٍ بشري يمارسه إنسان فقد حبيبه وكُتب عليه القرار في المنزل متلفعاً بالسواد طيلة أربعة أشهر فلم أجد غير هوايتك المفضلة لأنني أقتنعت إقتناعاً تاماً ( أن الكتابة هي الملاذ من الضياع ) لذا قررت أن أكتب عنك يا حبيبي وعن حبنا وعن أيامنا التي عشناها سوياً ، كان هذا القرار مناسباً جداً لظروفي التي أمر بها الآن ..

2

السواد أصبح يملأ حياتي ويسكن بداخلي بل أرتديه وأكتب به ، سمكاتي الصغيرة ماتت بالتدرج ولم تبق سوى سمكة سوداء تعاني الوحدة مثلي تماماً ، أصبح الليل أنسي من بعد موتك أستطع أن أقول إنك خلفت وراءك سواداً شاسعا ..
بعد أن تغرب الشمس ويغزو السواد المنزل وبعد أن ألف سجادتي بعد صلاة العشاء أصنع فنجان القهوة السوداء بكل هدوء وتأني وعلى نارٍ هادئة جداً أحضرها وأحملها معي إلى مكتبك الذي أصبح مكتبي الآن …الأنوار خافته ورائحة عطرك الأسود لا زالت بقاياه في الغرفة ( أنقارو ) ذلك العطر الذي يذكرني بأيامك الأولى معي هو بأريجه الأخّاذ يذكرني بآخر أيامي معك !
جلست على الكرسي ووجهت المصباح على الورقة لأكتب لكن لم أوفق للكتابة ، وضعت القلم وتذكرت كلامك ذات مرة عندما قلت لي : ” لا نستطيع كتابة كل ما في دواخلنا ” نعم هذه هي الحقيقة التي لن أومن بها لأني سوف أكتب ، إن لم أستطع اليوم فغداً فإن لم أستطع فبعد غد وهكذا حتى أخرج الحمم السوداء التي بداخلي …

3
ما حدث بالأمس كان دافعاً لي لكي أكتب…فبعد أن مضى شهراً على موتك أصابتني لوثة فقررت أن أحتفل بموتك ..لماذا أحتفل …لأن الحزن هو مساري الذي ألتزمته بعد موتك ولان مجرد الذكرى والبكاء أمر تقليدي باهت ، لكن الاحتفال خروج عن المألوف لذا قررت أن أحتفل !!!
….
قمت بتنظيف المنزل ثم رتبته بشكل جميل وبخرت البيت بالعود الذي تحبه…جهزت الطاولة ووضعت عليها قطعة من القماش الأسود وفوقها كل ما تحب وشمعة بيضاء في المنتصف ثم أدخلت اسطوانة لمقطوعات زامفير بداخل الجهاز وخفضت الصوت حتى لا يشعر بي احد كان كل شيء جاهز تقريبا .
….
ثم وقفت أمام المرآة بعد أن لبست فستان السهرة الأسود الذي كنت تحب أن تراني فيه دوماً ..نظرت إلى المرآة أخذت الروج الأسود وبدأت ارسم ببطء شديد لكي لا أنحرف عن إطار الشفاه ثم أطبقت على شفتي بدأت أوزع الروج بشكل مقبول ثم حددت الشفتين باللون الرمادي ، ثم بدأت بتظليل الجفون باللون الأسود المدرج ، تناولت المسكرة وبدأت بطلاء الرموش بكل هدوء .

لم أتوقع أن اللون الأسود له هذه البصمة الفريدة على ملامحي ، بدأ وجهي خليطاً من البياض والسواد من الحزن والسعادة من الألم والأمل ليتك هنا .
……
أحضرت مشروبك المفضل جلستُ على الطاولة بعد أن أغلقت النور وأسدلت الستائر واكتفيتُ بنور الشمعة التي أمامي لا أدري هل الشعور بالوحدة هو من يأتي بمثل هذه التصرفات ؟!
كنت أتأمل ذوبان الشمعة وذوبان القلب كأننا نمارس عبادة مندثرة !
فجأة قرع الجرس بشدة ، فزعت كدت أطير من مكاني من يطرق في هذه السـاعة وكيف يجرأ إنسان على طرق باب امرأة لازالت في حدادها البطيء .
كيف لو كان الطارق من الأقارب ورأى هذه الزينة السوداء !!
نظرت من عين الباب فلم يكن هناك أحد ، رجعت إلى مكاني ولازال قلبي يخفق بشدة قررت أن أنهي احتفالي بذلك القرع المخيف الذي بعثر أفكاري وشتت فصول المسرحية !!
…….
قرع الجرس مرة أخرى ذهبت إلى الباب تقدمت بخوف شديد نظرت من عين الباب لم أجد أحداً ، فتحت الباب ووجدت صندوقاً ، فتحته بهدوء وكأن شيئاً بداخلة سوف يهجم عليّ ، أضأت الأنوار وتقدمت إلى الصندوق لأرى ما بداخله كان أول ما وقع عليه بصري قلمك وقارورة حبرك الأسود-كانت إذا بعض بقاياك في مقر عملك- ! أخرجت لفتات أحمد مطر وبعض روايات حنا مينا واسطواناتك وعينة من المسك الأبيض ومنديلك الأبيض الذي طرزته بنفسي والذي لم تزل به بعض رائحتك والأهم من هذا كله وجدت جزءا منك أسفل تلك الأشياء وجدت (نوته) لك ، فرحت بها غاية الفرح .
أرجعت الأشياء إلى الصندوق ووضعته في المكتبة ثم رجعت وحضنت تلك الـ ( نوته ) بشدة وكأني أحضنك أنت أكملت سهرتي لأنك بالفعل كنت معي وعلى ضوء تلك الشمعة سهرت مع دفترك أجمل ليلة مرت عليّ بعد رحيلك !

4

كان المنزل مليءٌ بأنقاضك التي تركتها لي والتي تعيد لي كثيراً من الماضي الجميل معك ، حتى مناشفك ومناديلك لم أغسلها لازلت استنشق رائحة جسدك منها ، لا أعرف هل ما أفعله صحيحاً وهل أنا سائرة في الطريق الصحيح أم أنا مخطئه ….
بالأمس نظرت من النافذة إلى الخارج فوجدت سيارتك قد كساها الغبار اشتقت لتلك السيارة أريد أن أستريح فيها بعض دقائق ، تأملتها كثيراً لن أسمح لأحدٍ أن يركبها أبداً !

5

نهضت من الفراش وأنا فزعة ؛ فقد كان صوت الرعد مخيفاً جداً ذهبت إلى النافذة وفتحتها كانت السماء سوداء وكان البرق يرتعش ارتعاشات سريعة وميض سريع يريد السيطرة على الأرض ولكنه يتلاشى سريعاً بعد أن يطلق صرخته رعدا، أذكر أني كنت أخاف صوت الرعد ، عندما كنت أسمعه لا أجد أفضل من صدرك آوي إليه لكي أحس بالأمن ..كنت تضمني بيديك وتضحك من خوفي …الان اختلفت كثيراً عن ذي قبل ، فعندما أسمع صوت الرعد لا أشعر بالخوف بقدر ما أشعر بالشوق إليك ، كلماً يزداد صوت الرعد أزداد شوقاً وتلهفاً إلى دفئك وأنفاسك وضمك ورائحتك ونبضات قلبك وقبلاتك وأريج عطرك المختلط بعرقك ، ماذا فعلته بي أيها الرجل ؟!!
تساقطت دموعي قبل أن تتساقط قطرات المطر لذا رأيت أن أغلق النافذة .!!

6

بعد انتهاء زمن الحداد التي ذهبت بثقل شديد ، وأصبحت بعد ذلك حرة في انطلاقي وذهابي وإيابي ، اكتشفت أني أدمنت الجلوس بالبيت وأصبحت ( بيتوتيه )!!
في المساء جلست على كرسي مكتبك وأخذت قلمك الذي قد نضب حبره من أسابيع فتحت قارورة الحبر وبينما أنا أسحب الحبر رأيت أن أراجع ما كتبته خلال الفترة الماضية ، بدأت بقراءة ما كتبته عنك واستغرقت في القراءة وبعدت ساعات طويلة وعند أخر صفحة قرأتها تفاجأت أن كل ما كتبته لم يكن عنك بل كان عني أنا !!!
عندها ابتسمت وتذكرت كلامك عندما قلت لي مرة :
-” لا نستطيع كتابة كل ما في دواخلنا ”
ثم نظرت إلى القلم بداخل قارورة حبرك الأسود الذي اكتشفت أخيراً أنني كنت أستخدمه في الكتابة عني نظرت إليه طويلاً ثم نزعته من القارورة وقمت بإفراغه من الحبر حتى أخر قطرة .

null

لماذا أكتبت الآن عن لقائنا المباغت المستل من دفاتر القدر ، بعد مضي أكثر من عام على اللقاء ؟!
السبب وببساطة أنني مررت على المقهى الإيطالي الذي جالسنا به ، تذكر ؟ في ذلك الركن القصي !
ذلك الجزء تمت إزالته !
لذا اكتب عنك الآن ..
تحدثنا عن الكتابة وعن التدوين ، عن شيكاغو..
تحدثنا عن فيلم العطر ، و زوربا الذي كنت تحمل روايته في حقيبتك ..
عن احتمالك الوارد وعن ( خط البلدة الذي لا ينتهي ) !
تحدثنا بأصواتٍ عالية ، وضحكات عالية في تلك الـ ( 45 ) دقيقة !
تحدثنا عن المدن والقرى واغتبنا ( منصور العتيق ) ، وسخرنا من أمسياتك القصصية …
أما الحبق فكانت لك معه قصص ، بحثت عنه في كل الولايات وقلّبت القواميس لكي تعثر على مفردة ( حبق ) حتى اذا ظفرت به تكتشف أن الحبق عندهم هو الريحان !
أمك لم تصبر على معاناتك ، فأرسلت ( خيشه ) متخمة بالحبق الحافي الى الولايات المتحدة الأمريكية من اجل مبتعث من صامطة اسمه ( خالد ) يدرس في الصباح ويعمل بناء في المساء !
في تلك الـ ( 45 ) دقيقة التي جلسناها في ذلك المقهى الإيطالي ، وبالتحديد في تلك الزاوية التي تمت إزالتها ، أثبتّ حقاً انك تملك روحاً جميلة ..

null

” لاحياة بلا صديقٍ كأنت ..لاحياة بلا شعر ..اهدي إليك كسرة حرف وفضاء حرية فلا تجرح الماء.. المحب لك ..أحمد ” هذا ما سطرته لي في ديوانك الأخير ( لا تجرح الماء ) ثم رحلت وتركتني ثملٌ ، بقصيدتك ( لعل الوقت لايمضي بعيداً ) !
أبدل حروفك يا رفيق الدرب
واكتب وجهك الحنطي
لا تأخذ بناصيتي
ولا تذهب خلياً في طريق البحر
خذ ما خف في عينيك
واحمل دفتراً حتى تسجل بعض ما تلقاه من نصب الطريق
مداي أبعد من مداك
ووجهتي في الجانب المخفي
والرغبات يضنيها افتعال القول
لا تذهب إلى أقصى الحكاية في الكتابة ..
..
رحلت وتركت فراغاً واسعاً في الساحة بلا شك ، لن أتكلم هنا عن رئيس جماعة الشعر ولا عن رئيس تحرير مجلة عبقر ولاعن مدير إدارة الصحافة المحلية ولا عن ..
اعلم أن ذلك يشكل إرباكاً لتلك المؤسسات التي ستتركها، ولكن غيابك مؤثر يا صديقي على المستوى النفسي قبل كل شيء .
سأتكلم عنك كإنسان عرفته صوتاً أتى من عمق الجمال ، عرفتك صوتاً قبل أن اعرف ملامحك ، وفي ذلك الوقت كنتُ كأعمى يحاول إدراك الركب ، ويتمتع بجمال الأدب .
كنت أجد في كل كلمة تقولها بصيصاً يضيء لي بعض جوانب الطريق المظلمة ، أذكر أول لقاء لنا في نادي جدة الأدبي ، كنت متردداً في الحضور ، لم أكن متعوداً على حضور الفعاليات الثقافية ، أتيتُ على خوف وتردد ، لحيتي كانت سبباً لبعض النظرات المرتابة ، ولكنك كنت مصراً على الاستمرار في الحضور مهما حدث ، وخاصة جماعة السرد ، ابتسامة عبده خال كانت مشجعاً على حضور الأمسيات القصصية التي لم ترق لي ، مما دفعني بعد ذلك لمداخلة نقدية عنيفة ، كنت تبتسم وتقول :
- استمر
..
تبدو على غير انسجام بالذي ترويه في بدء الحكاية ..
ربما أخذتك أغنية الجريدة من حروف القصيدة
مازلت تكتب بعض جزئياتها في اللا شعور
لربما أخذتك صورة نسوة في لوحة الإعلان
لا تذهب بعيداً يا رفيقي
هذه الألوان مفعول بها
ولربما أخذتك
لا أدري لماذا أقحم الهواء فيما بيننا
فلربما مازلت منكفئاً على ضيق العبارة بيننا
في حين أنتظر الإجابة ..
..
رحلت إلى قاهرة المعز والكل راضٍ عنك ، جميع الأطياف كنت تجيد التعامل معها بدماثة خلق وحسن تواصل وتحضر لا مثيل له ، لم تكن من هواة مقارعة طواحين الهواء ولم تكن بحاجة إلى (سانشو) بجوارك !
أذكر مرة في معرض الكتاب عندما كنت مشرفاً عليه ، كيف كنت تواجه بحكمة بعض الخانقين للمعرفة والمعترضين على بعض العناوين ، كيف كنت تعطهم وقتاً للحديث دون أصوات مرتفعة .
..
عن ماذا أكتب يا أبا جهاد ، عن شعرك أم عن السارد الذي بداخلك ، هذا ما توصلنا إليه بعد طول نقاش في مقهى من مقاهي المدينة الرطبة عندما تحدثنا عن الشعراء وتقاطعاتهم منذ الجاهلية إلى الآن ووقفنا عند شخصك نغتابك ولكن بجمال ، ثم خرجنا انك شاعر ولكن بروح سارد !
..
عندما كنت أذهب إلى فرع وزارة الثقافة والإعلام لا أستطيع أن أذهب دون أن ألقي عليك نظرة وتحية ، هكذا أنت تأسر الجميع بك ، وكنت دائماً أجد مكتبك يعج بالبشر من كل الأطياف ، كلهم يريد من المشورة في أمرٍ ما ، لأنك مصدر ثقة وحب .
كنتَ حريصاً دائماً في الفعاليات أن تشارك دماء جديدة ، هكذا أنت تريد أن يجد الجميع فرصة للبث .
كثرت صولاتك وجولاتك حول إقامة معرض الكتاب في جدة بعد أن توقف منذ عام 2006م ، أردت أن تعمل الكثير من اجل المعرفة ولكن زمرة من الجهلة حال دون ذلك ، لا عليك أنت قمت بالكثير .
..
أبدل حروفك
لا تدعني أمنح الأشياء مالا يستحق
ورتب الأسماء وفق الأبجدية في الحروف
لعل بعض الوقت يسعفنا
لكي نعطي الشوارع ما يناسبها من الأسماء
عل الوقت لا يمضي بعيداً
ربما نختار من شعرائنا من يقرأ الدستور
عل الوقت يرضى بالحياد
فلا تداهمنا الكآبة ..
..
ذهبت إلى أرض الكنانة لإكمال دراستك ولكي تنال درجة الدكتوراه على موضوعٍ إنساني جميلٍ وجريء وشجاع ،هكذا أنت ..يا أنت ..
سنفتقدك في كل صرح ثقافي وفي كل فعالية ثقافية لمدة عامين ، ولكن لتعلم أننا سندعوا لك كثيراً في ظهر الغيب ، بعد أن علمتنا كيف يكون هو الإنسان المثقف من خلال شخصك الرائع الجميل ..
..
إني نسيت الاسم والعنوان والوقت الأصيل
نسيت تقرير الإجازة عن غيابي ليلة الحمى
نسيت الكأس فارغة من الليمون
والمكواة المطفأة
ووجه البائع الهندي
والمثل القديم
وسورة الشورى
نسيتك يا رفيق الدرب
فاعذر رغبة النسيان
وامنح وجهك الحنطي قول الله في صلة القرابة .
..
كن على عهدك ..

تقاطع عاطفي !

null

يتجاهله ، يعبس في وجهه ، يقارعه ، يسبه أحياناً !!
وهو لا يدري لم كل هذا العداء ؟!
بعد أعوام عدة اكتشف أنهما يتقاطعان في حب امرأة !

ضد الثلاجة !

لم ينم ليستيقظ , رأى فيما يرى النائم أن ثلاجته العتيقة تحدثه , قالت لن احوي الماء بعد اليوم ,صدئت مفاصلي … وتثاءبت ,
سنلعب لعبة جميلة , سيحملني الماء ,لن اذهب معك الى الجامعة على قفا ناقلة (سوزوكي ) … ها ها ها ,
في منامه كان مندهشا , ومبهوتا كان ,وقال في منامه أن أصدقاءه لن يصدقوه ,
وأردف ,لن أقول أنها ستذهب معي إلى بهو الجامعة , وضحك في منامه … ها ها ها ,

حسين ينام في حجرة القبو,في حي شرقي يسمى قويزة - منسي حتى في معاجم اللغة - و في الجامعة يدرس … حسين,
الماء المنقول وجد طريقه مغتصبا فتحول إلى سيل والى نهر, وحسين مغتصب , وكذلك ثلاجته ,

خنق الماء ساعته وهاتفه الجوال , ثم ابتلعه ,
حينما كان في جوف الماء بين اليقظة والمنام , رجح ان يكون في كابوسه , ظل نائما , صمتت ثلاجته , هدر الماء , وانهزم الكابوس . ضحكت الثلاجة,أشرعت فمها العلوي , طفت دجاجة مجمدة ,وتناثر البصل بعد ان خلعت سترتها السفلية ,
على سرير الماء رافقت حسين وقالت : ذلك تأويل رؤياك من قبل !,
خرجا من باب القبو, بسهولة , تسبقه أحيانا , ويسبقها حينا ,
الثلاجة تلاعب الماء وحسين الماء يداعبه , يدحرجه , يطويه , يهدهده , تضحك الثلاجة , من الماء تضحك , ومن ….

الطريق الى الجامعة سرير ماء ,عليه ثلاجة وعليه حسين , وعليه من الله ما يستحق ,

ضفتاه مزروعتان بأجساد شجرية .. حفيفها عواء ,
الطريق وادي والطريق شارع والطريق ماء , قواربه تحورت إلى دواليب , إلى أفران ,إلى خرفان والى ماعز …
والطريق ماء , أمواجه بعضها فوق بعض ,في كل حياته ,حسين لم يسبح نائما ,وفي كل حياته لم تكلمه ثلاجة ,
لكنه مغتصب والثلاجة والطريق وقويزة !

وحسين والثلاجة يهدمان سور الجامعة !

والدنيا لعب , الماء شارع , والنائم ميت ,
الشجر أجساد , الخروف دمية , والجامعة ملعب
و…. ,

واللص تاجر , والتاجر أمين , والمواطن حسين ..

في بهو (بحر) الجامعة ,غرقت الثلاجة , وطفا مواطن اسمه حسين ,
وقال الرواة انه مسكين ,وقالوا أيضا أن العدالة ستأخذ مجرى الماء .

لذلك خرجت أمه بعد حين من قاعة المحكمة تحمل صكا مفاده أن حسينا بريء من تهمة الاغتصاب,
بينما سجلت القضية ضد ثلاجة !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للقاص الرائع / خالد المرضي الغامدي

http://almardi.wordpress.com/

قرار

null

في الوقت الذي يعج فيه يخته بكل متع الحياة ، يصدر قراراً بمنع الصيادين من بحر الله !

مشهد ..

لم يكن هناك قطرة ماء تدل على وجود مطر جميل في ذلك المكان ، بل كان هناك دمار مذهل مرعب ، تلال رملية ، أشجار منزوعة ، آلاف السيارات المهشمة ، نفايات مكدسة ، أثاث تالف ، طين لازب ، بهائم ميتة ، وجوه حزينة ، أعين مفزوعة ، منازل منزوعة الأبواب ، أخشاب متراكمة ، أناس وضعوا كمامات على وجوههم وروائح جثث مطمورة ، صوت نائحة بالقرب ، أناس يبحثون عن ذويهم وآخرون عن مركباتهم المحطمة ، البحث في كل مكان ، في المنازل والحدائق وقنوات الصرف وصناديق النفايات والحفر المطمورة بالماء والطين ، أناس مستنفرة في كل مكان ، وصرخات كل حين تنبئ بأن هناك جثة بين الركام ، نحاول أن ننتشل أكبر عدد من الجثث ، قبل أن تنبش عنها الكلاب في آخر الليل !

كل هذا لم يكن في حي عشوائي بل في حي تنظيمي مشهور يطل على طريق الحرمين ، أصبح المكان مزاراً للناس ، الجميع كان مصدوماً ، فما يرى على أرض الواقع يفوق بمراحل ما يرى في وسائل الإعلام ، على الواقع كان الدمار الشامل !

 السكان مصدومون ، والذهول مسيطر على وجوه الغرباء !

 حقيقة ..

رغم كل ذلك يا سادة كان ينقصنا الكثير لنكن أكثر إنسانية !

فالكوارث عمياء لا تميز بين البشر ، ونحن لازلنا نعاني من الأوبئة التي في دواخلنا ، فكم من إنسان مكسور قد دمر مسكنه وخسر مركبه وربما فقد فلذة كبده يأتي الى اللجنة ليطلب مأوى فيرفض طلبه بحجة أنه ( غير سعودي ) !

رغم ذلك فرد واحد قد يحقق معنى الاحتواء !

 الوعي العميق ..

الكارثة التي حدثت لم تقدم لنا الدمار فقط بل قدمت لنا أيضاً فوائد عظيمة منها أن نعيد النظر في كل من حولنا حتى في الجمادات ، إن الكوارث تأتي بالوعي العميق ، فكثير ممن جرفهم السيل و أنقذهم شجر الطرقات والحدائق ، أصبحوا الآن ينظرون إلى الشجرة بعطف وأن لها الفضل في حياتهم الثانية ، لذا لابد أن نعيد النظر في تعاملنا مع حدائقنا و أشجارنا !

( بشرى ) التي جرفها السيل وألقى بها في أحد (البدرومات) لم تجد سوى خروفاً تتشبث به حتى جاء الدفاع المدني وأنقذها ، إذن حتى الحيوان لابد أن نعيد النظر في تعاملنا معه !

إذا كان لابد أن نعيد النظر في تعاملنا مع الجمادات والحيوانات ، فكان لزاماً أن نؤمن أننا بشر لاينبغي أن يفرق بيننا لون وجنس وعرق !

 المقيم البطل ..

( رجل الأمن ) البطل الذي كتب معاناته في جريدة الوطن قبل أيام والذي كان يحاول إنقاذ الناس في طريق الحرمين ثم جرفه السيل إلى شارع عبدالله السليمان من أنقذه يا سادة ؟!

 أنقذه أخ سوداني ، أخذ بيده إلى الحياة وربما يكون هذا الأخ المقيم هو نفسه الذي طردته اللجنة وحرمته المأوى ورفضنا أن نقدم له يد العون بحجة أنه ( غير سعودي )   !

( سامي ) في طريق مكة القديم غرق هو وسيارته في الماء وكاد أن يهلك لولا لطف الله ثم بطولة بعض أخواننا ( الصعايدة ) الذين ربطوا أنفسهم بحبل وأنقذوه وأنقذوا معه الكثير !

(الأخ الباكستاني) الذي أنقذ أربعة عشر نفساً ( سعودية ) ثم ذهب إلى ربه شهيداً بإذن الله ما الذي دعاه ليعمل ذلك بعد أن عُومل بجلافة في أكثر من مكان بحجة أنه ( غير سعودي ) !

يا من هم حديثو عهد بكارثة ، نحن الذين لم نعتد على المطر إلا أمل وبسمة ورقصة بريئة فوق أسطح منازلنا ، وأفواه تباشر قطرات من السماء حديثة عهد بربها ، هاهو المطر يعلمنا دروس الحياة ومنها أن نكون كياناً واحداً في دنيا الله !

 سكان شرق العروس..

أحبتي أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين لنا أنه بقطرة ماء تتغير الموازين والقوانين فيصبح النفيس رخيصاً والمنيع منتهكاً والراسي عائماً ، كل ذلك بسبب قطرة اجتمعت بأخرى ، أراد الله أن يوحي لنا أن كل عظيم هو هين عند الله وكل محكم هو متهالك بقدرة الله ..

وأن الرحمة التي نضحك لرؤيتها أحياناً قد تكون درساً منه سبحانه ، درساً غير تقليدي لنتعلم الكثير وليخرج الخبث وأهل الفساد والخونة الذي خانوا الله وخانوا أماناتهم وعهدهم ووطنهم ولم يراعوا حق الوطن والمواطن !

 المتربصون ..

الآن نحاول أن نستدرك الوضع ، نحاول أن نجبر العضو المكسور ، ولكن المصيبة أن هناك من يتربص بنا ، نحن الآن نلهج أن يكون القطر (حوالينا ولا علينا) ولكن ماذا سنفعل للسيول المتنقلة التي قد تداهمنا في أي وقت ؟!

بحيرة المسك الغول النائم الذي لا ندري متى يصحو ، وإذا حدث ذلك فقد يدمر كل شيء ويهتك عذرية سبعة عشر حياً من أحياء العروس !

أخيراً ..

ستمر الأيام وستتغير الأوضاع وستصحح الأخطاء وستقوم مشاريع على أشدها حتى لا تتكرر المأساة وسننسى مشاهد الرعب والدمار ، ولكن لن ننسى جيراننا وأحبابنا وسكان الشرق الذي قضوا غرقاً وهم شهداء بنص الحديث النبوي الشريف ، حتى وإن قامت أحياء من خيال لن ننسى أن هناك أجساد ترقد تحت التراب والحصباء فارقت أرواحها النقية المعطرة بالشهادة وعرجت إلى أماكن آمنة مطمئنة .

 سلام على تلك الأرواح المبللة بعبق الشهادة الساكنة دار المقامة السرمدي الأبدي هناك حيث لاخوف عليهم ولا هم يحزنون !

 

مواضيع لاحقة »