null

الأيام الماضية أهدي إليّ كتابين؛ الأول بعنوان: “قيل ..ورددت” للكاتب السعودي سعد بن محمد، والآخر بعنوان: “إلى كاراكاس..بلا عودة” للكاتب الصومالي محمد ديريه. ” قيل..ورددت” من إصدارات المركز الثقافي العربي، وقد ازدان بتقديم وزير الثقافة والإعلام، الكتاب سحرني بأناقته وتصميمه المدهش، وإخراجه الفاتن، لم يكن إخراجه تقليديا ككتبنا الصفراء الكالحة، وإنما بلغ من البذاخة مبلغا عظيما، وأهدي معه نوته فاخرة لكتابة الاقتباسات والعبارات العظيمة من ذلك الكتاب، هذه الإغراءات جعلتني أبدأ بقراءته. جاء الكتاب في 400 صفحة تقريبا، وهو عبارة عن نصوص ترد على نصوص وأسئلة، فأحضرت النوتة لكي أسجل ما يستوقفني من عبارات، ثم شرعت في القراءة، ومن ثقل الكتاب أسندته إلى الأرض. أخذت أطوي الصفحات تلو الصفحات حتى ختمت الكتاب؛ وفي النهاية بقيت النوتة الفاخرة بيضاء، فلم أدون فيها معلومة تستوقفني، أو حكمة تأسرني، أو تجربة تثريني! … أما كتاب “إلى كاراكاس.. بلا عودة” فكان من إصدارات دار مدارك، وبتقديم الحسن الحازمي صديق الكاتب حيث وصف المؤلف بقوله: ” بقايا نحيل كروح الأبنوس، نصف رصين، ونصف آخر يعلمه الله، شجي الحديث، قامته متحفزة دائمًا للمبارزة، يتوكأ في شموخه على وطن”! ثم وصف الكتاب بقوله: “كتاب منوع منفعل، مليء بالحياة، يشبه الذاكرة”. صفحة الإهداء حكاية من الوفاء: “إلى أمي التي رافقتني سنين الرمد..إلى وطني البعيد..إلى أصدقائي من الخليج إلى المحيط”. كل سطر في الكتاب يستوقفك، يتحدث ديريه في الكتاب عن تفاصيل حياة ووطن بديل، يعيش تفاصيله، يهوى جبال و بحاره وسواحله وهضابه وصحاريه،يفتتن بشعرائه وأناسه والأصدقاء المتناثرين في أصقاعه، وفي ذات الوقت يتحدث عن الصقيع والغربة ولا ينسى وطنه الأم الذي يعيش ويلات الحروب والمجاعات والنزاعات والأطماع الخارجية، ويستشهد بمقولة الروائي الصومالي المنفي عن دياره نور الدين فارح حيث يقول: ” في الصومال وصلنا لدرجة من اليأس لا يسعنا معها إلا أن نكون متفائلين”!. ديريه لا يحمل وطنه على ظهره كما يقول عن بعض الأدباء، ولكنه يحمل وطنه داخل قلبه، حبا له وخوفا عليه، لهذا من يؤذي وطنه فإنه يؤذي قلبه: “كيف أرى وطني مزورًا في قلوب الآخرين وأخفي لساني؟!” يقول نيتشه: ” أحب فقط ما كتبه الإنسان بدمه” ، وهذا الكتاب يتنفس وينبض عندما تقلبه بين يديك والذي بعث فيه الحياة أن صاحبه كتبه بدمه! والكاتب يدرك معنى أن تؤلف كتابا، يدرك معنى أن يكون لك كتابا لأنه يردد دائما: ” الموت مناسب جدا في الثلاثين، إذا كنت قد أنجزت كتابًا يحمل أفكارك، وأنجبت طفلاً يملأ مكانك في الملعب، ولم تقتل نفسًا زكية..”. وحتى يكون الأدب حيًا؛ لا بد أن يُغذى بمصدرين: -المعرفة، وتتفرع منها القراءة. -التجربة. ” إلى كاراكاس ..بلا عودة” يتضح فيه مخزون هائل من المعرفة والتجربة التي سطرها المؤلف الذي لم يتجاوز الثلاثين! والكتاب دعوة لقراءة الحياة، وعدم الاكتفاء بقراءة الكتب فقط، ديريه زرع فينا فكرة أن نعيد فكرة قراءة الحياة بشكل أفضل، وأن نجعل القراءة التقليدية هي وسيلة مساعدة لقراءة الحياة والكون. الكتاب يعج بحيوات هائلة جدا، بأوطان بائسة وحالمة، بحدود وهجرات، بأفراد وجماعات، أسماء مشهورة، وأخرى مسحوقة، أدباء ومغنيين، فنانين ومناضلين، بمرضى وأصحاء، بروايات وأفلام ونجوم كرة، عجنت بوفاء وإعجاب، بحزن وفرح، وجمال وفتنة.. محمد علي ديريه، الطبيب والكاتب الصومالي المقيم في قلوب الطيبين، شكرا لك.

شجون الفول السوداني

null

1
عندما يغمس جزءا من الرغيف الرقيق في زبدة الفول السوداني يغيب عن العالم!
يظل غائبا، يتأمل الأطباق، أو يغرف من علبة السكر حتى يفيض فنجان الشاي!
لا يُعلِّق كثيرا على تصرفات الأطفال أثناء الأكل..
لاحظت زوجته أن هذه الحالة تنتابه عندما يكون الفول السوداني حاضرا على سفرة الطعام..
2
يلذع لسانه طعم الفول السوداني، يشعر بصوت مدوٍ في داخله عندما يبدأ المضغ، يسافر إلى مكان لا يُحتمل، تحرقه الذكرى والشوق في آن..
يتذكر المكان الواحد، واللبس الواحد، واللون الواحد، والنافذة الوحيدة، والطائر الوحيد الذي كان يزوره..
يشعر مع المضغ بالرطوبة التي كانت تمضغ جسده، يشعر بالخوف من البحر الذي يتوعده..
يمضغ فيثقل لسانه حتى يتحجر، ثم تدمع عينه لتبل الذاكرة..
يصحو وحيدا على سفرة الطعام، يلم أطرافها، وينهض متأخرا، ومتثاقلا..
3
يذهب للتسوق، يتنقل بين الرفوف، ينظر في قوارير زبدة الفول السوداني..
هذه المرة ينظر وهو محتارٌ، أي نوع يختار؟
متردد في سؤال الشخص الذي يقف بجواره ويشاركه التأمل في القوارير..
اقترب منه ليسأله أي الأنواع أجود؟
اقترب أكثر، عرف الملامح، بلع السؤال، انعقد اللسان، تصلبت الأطراف، ليدخلا في عناق عنيف يعيد النبض، عناق طويل، لا تحول بينهما الأقفاص.

 null

True Grit

الفتاة الصغيرة التي قتل والدها ذات مساء تنشدك العون، تأخذ بيدك، وبيدك الآخرى بندقية.. تنظر إليها بشفقة، فتتركها في الظلام لتحلم بالنور.. لتستيقظ فجرا وترى آثار الرحيل، فتأخذ بلجام حصانها الأسود وتشق النهر.. تنعقد روحك التي تحرس الطفولة وتطارد المجرمين..

Crazy Heart

تترك سريرك مبكرا.. تحمل غيتارك العجوز على ظهرك.. وتصاحبك قارورتك الضجرة من الطرقات الطويلة.. وعند تقاطعات آخر العمر يداهمك الحب على كبر.. وبدلا من الهرب منه تهرب إليه.. لكن الشراب يفسد الحب والجسد، فتغني.. تغني حتى يغيبك الغروب..

 ***

جيف بريدجز لا فرق عنده بين أن يحضن الغيتار أو البندقية! آسر إلى درجة الهوس.. أداء هذا العجوز الذي يجعلك تعيد النظر في الفن في كل مرة تشاهده.. جيف الذي يحمل بندقية العزيمة الحقيقية كان مدهشا للغاية، لكنه كان مجنونا عندما حمل الغيتار في قلبه المجنون كان مجنونا بحق..

null



أذكر أني شاهدت في مرحلة مبكرة من عمري فيلم الـ(كت كات) ، ورغم ضآلة وضيق وعيي في تلك الفترة إلا أن الفيلم أدهشني وأعجبني جدا، وهذا ما جعلني في كل مرة أشاهده يستوقفني اسم إبراهيم أصلان صاحب رواية (مالك الحزين) التي أخذت منها قصة الفيلم.
بحثت عن الرواية في ذلك الوقت في كل مكتبات جدة المعروفة ولم أجدها -وكم كانت مكاتبنا بائسة في ذلك الوقت- لكن بعد سنوات أوصيت أحد الأصدقاء لجلبها من القاهرة، وما أكثر ما نطلب من هذه القاهرة، بعد أن وصلتني الرواية كانت بداية لقراءة كل نتاج هذا السارد المدهش، الذي يأسر القارئ بلغة بسيطة وفكرة عميقة، وفلسفة عظيمة يلوكها بسطاء وأبطال في ذات الوقت.

لعل شهرة رواية (مالك الحزين) أتت بسبب شهرة فيلم (الكت كات)، وإن كنت أفضل رواية (عصافير النيل) على (مالك الحزين) ، والذي يقرأ عصافير النيل يشعر بهذا جيدا، رواية تتحدث عن البسطاء والكادحين، والأطياف، بطريقة تردد معها: آآه يا مصر يا أم الدنيا ..

..

لكن رواية (وردية ليل) تبقى رواية لها طابع خاص لا نجده في أي رواية عربية وإن لم تتجاوز الـ (60) صفحة، عوالم ليلية مع ساعي البريد الذي يقلب الرسائل ويرتشف فناجين الشاي..

..

الإبداع بلغ منتهاه عند عم إبراهيم أصلان في عمله المدهش جدا (غرفتان وصالة) تلك المتتالية السردية، التي لا يجيد إتقان زواياها إلا قامة سردية عظيمة مثل قامة إبراهيم أصلان رحمه الله..

..

بداية العم إبراهيم أصلان القصصية كانت بداية يعتريها ما يعتري البدايات وهذا ما نجده واضحا في مجموعتيه القصصيتين (بحيرة المساء) و (يوسف والرداء) لتتخمر التجربة وتتمخض بعد سنوات لتخرج لنا مجموعة قصصية من أعظم ما قرأت عربيا (حكايات من فضل الله عثمان) مجموعة ساحرة، سردية بالطريقة الأصلانية الفريدة، هذه المجموعة التي أعتر بشراء نسخ منها لأوزعها على من أحب، أو على من أحب أن يعرف كيفية الكتابة بفن..

..

أما بالنسبة لـ (خلوة الغلبان) و (شيء من هذا القبيل) فهي مقالات ويوميات؛ لكنها كتبت بفن، بسرد أنيف فاتن لا يجيده إلا إبراهيم أصلان وحده، عندما تبدأ في الكتاب تقرر أن لا تقرأ الكتاب إلا منجما، لكنك تكتشف بعد ساعات أنك وصلت الغلاف الأخير..

..

وما يميز التجربة بشكل عام يتلخص فيما يلي:
-إلتقاط المشاهد الحياتية العادية، والكتابة عنها بطريقة غير عادية.
-التكثيف والإقتصادي اللغوي.
-الإشتغال بالهم الإنساني، بعيدا عن الأيديولوجيات المفسدة للنصوص.

هذه قراءة عامة مختصرة مخلة جدا لأعمال الكاتب والروائي والقاص والفنان إبراهيم أصلان، قراءة من الذاكرة المرتبكة جدا بسبب خبر وفاته، آسال المولى أن يجعل روحه محلقة مغردة فوق نهر النيل الأعلى إنه جواد كريم ..

null

“الحياة قصيرة حاول قدر الإمكان أن تتجنب إهدار ساعتين منها على فيلم لن تستمتع به لان الفيلم الفاشل يأخذ منك وقتاً ولا يعطيك شيئاً ” روجر ايبرت*

كيف تختار فيلماً ؟

إذا أردت أن تشاهد فيلماً عليك أن تراعي عدة أمور:
أولاً: تعرّف على بطل الفيلم إذا كان من المشاهير فالغالب أن أفلامه جيدة مثل : آل بتشينو ، توم هانكس ، كيفن كوستنر، روبرت دي نيرو ، كيفن سبيسي ، انتوني هوبكنـز، ميل جيبسون وغيرهم.
ثانياً :تعرّف على المخرج فإن الفيلم نجاحه وفشله منوط بالمخرج “اذهب و استأجر بعض أفلام المخرج الناجح فمعيار جودة الفيلم هو غالبا المخرج أكثر من كونه الممثل أو جهة الإنتاج ”
ومن المخرجين البارعين في السينما:
المخرج ستيفن سبيلبرغ وهو مخرج الفيلم الشهير الفـــك المفترس ( jaws) و(ET) وأنديانا جوينـز والحديقة الجوراسية وإنقاذ الجندي راين وقائمة شندلر وغيرها.
وكذلك المخرج البارع جيمس كميرون ويكفيك أنه الذي أخرج الفيلم الشهير Terminator1-2 وكذلك الاسطورة السينمائيه الـ TITANIC
ثالثاً :تعرّف على شركات الإنتاج العالمية مثل : ينيفرسال وشركة ديزني وشركة دريم وركس…
فإذا كان البطل معروفا والمخرج معروفا والشركة المنتجة معروفة كانت النتيجة في الغالب مرضية.
رابعاً : احرص على أن يكون الفيلم مترجماً إذا كنت لا تحسن اللغة الانجليزية، وخاصةً إذا كان الفيلم يحكي قصة أو يتكلم عن محاكمة أو قضية جنائية فالذي يشاهد أفلاماً كهذه غير مترجمة فهو كما يقول المثل العامي ( كالأطرش في الزفة ) كيف يفهم فيلم مثل Ren man و اميستاد وفيلادلفيا إذا لم يكن الفيلم مترجماً .
خامساً : استشر صاحب محل الفيديو أو أي مشاهد عن الفيلم الذي سوف تشاهدة فإنه لدية علم بما ستشاهدة.
سادساً : عليك بزيارة المواقع الخاصة بالأفلام فإنها تعطيك كل ما تريده عن الافلام الجديدة وتعطيك أيضاً قائمة بأفضل الافلام الحديثة مع بيان مستوياتها وأداء أبطالها ومخرجيها وكذلك تعطيك بعض التحليلات عن بعض الأفلام وتتابع عن طريقها أخبار المسابقات السينمائية كأوسكار والغولدن غلوب.
تنبيه هام :
لا تثق بالاعلانات الدعائية لأسباب منها:
(1) “أغلب جمل النقاد المستخدمه في الاعلان هي من طالبي الشهرة الذين يملون أقوالهم للمروجين مباشرة .
(2) الأفلام الجادة غالبا ما تسوق عن طريق عروض دعائية تجعلها تبدو وكأنها أفلام مرحة ومليئة بالبهجة مثل (Mr. Jones ) لريتشارد غير ، فيلم عن شخص مهووس وكئيب ولكن اعلان الفيلم جعله يبدو وكأنه شخص سعيد للغاية .”
(3) غالباً ما تكون الأفلام ذات الصورة الجذابة الخيالية والتي قد تحوي على لقطات عنف قد تكون أفلام باردة و سيئة لانهم يغرروا المشتري بهذه الصور.

إذا كنت سبق وقرأت الكتاب أو الرواية (قبل مشاهدة الفيلم):
“جميل …… فقط تذكر أن مهمة المخرج هنا هي أن يخرج فيلماً جميلاً .
لا أن يكون مخلصا للكتاب وملزما به. ( تحويل الراوية الى فيلم ليس زواجا (اقتران محدد بعقد) ، وعدم الاخلاص للرواية لا يعتبر خيانة ” ، هذا في حالة إذا لم تكن القصة قصة حقيقية قد وقعت فعلاً أو الحادثة حادثة تاريخية مشهورة عند ذلك فإن المخرج لابد أن يجتهد في إخراج القصة كما حدثت على أرض الواقع وأما الأمور المصاحبة للحدث ولا تتدخل فيه فلا مانع أن يُفعّلها المخرج لمصلحة فيلمه.

إذا كنت لم تقرأ الكتاب (الرواية) :
” فغالبا لن يكون هناك متسع من الوقت لقراءة الكتاب الآن شاهد الفيلم الآن . وعن نفسي كناقد ، أستمتع بالمشاهدة عندما أكون لم أقرأ الرواية . لأن مهمتي هي تقييم الفيلم وليس مدى جودة تحويل الرواية الى فيلم .
واذا كنت قد استمتعت بالفيلم وتفكر في قراءة الرواية الآن ، فقط تذكر القاعدة السنمائية التي تقول : كثير من الكتب السيئة تصنع أفلاما رائعة ، ولكن أغلب الكتب الرائعة تصنع أفلاما سيئة .”

كيف تشاهد فيلماً ؟

1-اختر الوقت المناسب الذي يساعدك في الاندماج في الفيلم، فمثلاً الوقت الذي تكون فية متعباً او مرهقاً أو بك صداع فهذا الوقت لا ينفع للمشاهدة بل هو وقت مناسب جداً للراحة والنوم وكذلك الأوقات الزيارات لأنها تقطعك عن الفيلم وبالتالي تقطع أفكارك مما يسبب عدم استيعابك لأحداث الفيلم.
إذا كنت تعيش في بيت مليء بالأطفال فمع الآسف ليس لديك وقت مناسب للاستمتاع بالمشاهدة إلا أوقات نومهم ليلاً.
2-اختر المكان المناسب لتكن لديك غرفة فقط للمشاهدة ومكوناتها كالتالي:
- T V ذو جودة عالية وخصائص جيدة فهو النافذة للعالم الذي سوف تعيشه.
- كنبة مريحه.
لتكن الغرفة نظيفة وتخلو من الشواغل فإن الأثاث المتناثر والأوراق المبعثرة وبقايا المكسرات وغيرها من الأمور تقلل من تركيزك أثناء المشاهدة .
3- اضبط إضاءة الغرفة .
4- اضبط جهاز التكييف في الغرفة فالجو البارد يقلل من التركيز وكذلك الحار.
5- اقفل الباب حتى لا يقطعك أحد.
6- إياك أن تأخذ لقطات من وسط الفيلم فإنك بهذا تحرق الفيلم وتُذهب متعة المشاهدة.
7- لتكن المسافة بينك وبين الشاشة متوسطة لا تقترب من الشاشة لأن ذلك يؤثر على العينين، وأيضاً لا تبتعد عنها لان ذلك يخرجك من جو الفيلم.
8- خذ الوضع المريح أثناء الجلوس.
9- استعد فأنت على وشك الدخول في عالم جديد وحياة أخرى.
10- أندمج مع الفيلم في جميع مراحله. اعتبر كل ماتشاهدة حقيقة تجنب الجلوس مع من يقول ..مبالغـــة …خيال …غير معقول !!! … كذب … فهذا الشخص وأمثالة من المزعجين أفضل تصرف تجاهه أن تضع لاصقا قوي على فمه حتى لا يشتت ذهنك هذا أولاً.
ثانياً: حاول أن لا يجلس معك أحداً منهم.
ثالثاً: إذا أبتليت بأحدهم وكان بإمكانك أن تؤجل مشاهدته لوقت آخر فخير ما تفعله هو أن تؤجله لوقت مناسب.
11- ابكي إذا كان الموقف مبكياً، اضحك إذا كان مضحكاً اجعل مشاعرك تدخل لذلك العالم.
12- كثف تركيزك بعد منتصف الفيلم فإن الأحداث تتوالى وتتشابك هذا في أغلب الأفلام ولكن بعض الأفلام تحتاج إلى التركيز من بداية مشاهدتها كفيلم صمت الحملان مثلاً . يقول الناقد الأمريكي الشهير (روجر ايبرت) عن فيلم (صمت الحملان) “كان مليء بالتفاصيل التي كتبت عنها مقالا استعرضت فيه أكثر من 25 سرا من أسرار الفيلم “!
ثم ليكن في الحسبان أن “لقطات الفيلم تنفذ بحيث يقتنع المخرج أن رؤيته للمشهد قد تحققت وسجلت على الفيلم. أشياء قليلة تظهر على الشاشة بالصدفة وبدون تخطيط من المخرج . كل حركة للكاميرا وكل حركة داخل الصورة لها مغزى معين. شاهد الفيلم مرة ثانية وثالثة، واسأل نفسك ، لماذا صورت كل لقطة منه بهذا الشكل ؟ .. لماذا لقطة مقربه هنا ؟ ولماذا استخدمت لقطتان هناك ؟ الإجابة عادةً ليست مخفية أو صعبة الاكتشاف وليست ذات معنى خاص بشخص معين (غالبا) ، بل مبنية على إدراك ووعي عام وشائع ”
13-عش اللحظات الأخيرة في الفيلم بكل مشاعرك وأحاسيسك فهي من أروع مشاهد الفيلم.
14- بعد الانتهاء من مشاهدة الفيلم فكر في الأحداث التي مرت والمشاعر التي خالطت وجدانك فأنها لازالت في داخلك وإذا كان بالفيلم بعض الغموض والأسرار فحاول البحث عن الحلول وفك الأسرار وهذا يحدث إذا كان للفيلم عدة أجزاء ربما ستجد الحلول والإجابة عن كثير من الأسئلة في الأجزاء الأخرى من الفيلم.
15- قراءة التتر وهو النص المتحرك الذي يظهر عند انتهاء الفيلم يوضح أسماء الممثلين الرئسيين والممثلين المساعدين والمخرجين وكتاب السيناريو والحوار “قد يكون التتر أحيانا بمثابة مكافئة على مشاهدة الفيلم ، مع انه في السنوات الأخيرة بدأت مدة تتر النهاية تطول أكثر فأكثر . في السابق كانت مدتها 30 ثانية تقريبا ، أما الآن فتتجاوز مدتها الخمس أو العشر دقائق . دائما انتظر قليلا فقد تجد المزيد من الضحكات بعد نهاية الفيلم”وهي المواقف الغير مقصودة وبعض أخطاء الممثلين أثناء التصوير وهذا يكون غالباً في الأفلام الكوميدية .

ما الذي يجعل الفيلم رائعاً ؟
“يقال أن الدماغ البشري يقسم وظائفه على قسمين:
القسم الأيمن مخصص للانطباعات المحسوسة مثل العواطف والألوان والموسيقى.
والقسم الأيسر يتعامل مع الأفكار والنظريات المجردة كالمنطق والفلسفة و التحليلات.
وتعريفي للفيلم الرائع هو: الفيلم الذي أثناء مشاهدته يخاطب ويشغل عقلك الايمن، وبعد انتهاءه يخاطب ويشغل عقلك الأيسر”

بعد مشاهدة الفيلم:
ناقش الفيلم مع أحد المشاهدين الجيدين وليكن النقاش حول القصة والأفكار والعقائد والوقائع التي في الفيلم وإذا كانت قصة الفيلم مأخوذة من حادثة تاريخية حقيقية هل أتت تلك الحادثة كما ينبغي وهل سيقت على الوجه المماثل للحقيقة وهل استغلت الحادثة لتبرير موضوع ما أو لكسب تعاطف معين.
“كل الأفلام الجيدة تتسبب بنقاشات، وإعادة طرح قضايا وأفكار و جدالات بشكل جيد مثل (صمت الحملان) فهو ذو أسرار ورموز فيحتاج إلى نقاش ومدارسة وتحليل، وكذلك فيلم (البيانو) الذي حرك وأثر في بعض المشاهدين وسبب إحباط للبعض الآخر، حظي بنقاشات ومجادلات عديدة بمجرد مشاهدة الفلم”
لنأخذ مثلاً فيلم (قائمة شندلر) للمخرج ستفن سبيلبرغ والذي يحكي مأساة اليهود على يد النازي هتلر من ذبح وشنق وتحريق وإهانة وغير ذلك، هذا الفيلم سبب ثورة صاخبة عندما خرج وسبب نقاشات كثيرة مطولة إنه فيلم مؤدلج تماما، إذن لابد أن يخرج الفيلم بشكل يسحر النفوس ولهذا أختير المخرج اليهودي سبيلبرغ حتى يخرج تلك المآسي للعالم حتى يكسب تعاطف الناس.
لهذا عندما عرض إخراج هذا الفيلم على المخرج مارتن سكورسيزي قال : من الأفضل أن يخرج هذا الفيلم رجل يهودي.

تحليل الفيلم :
عندما تقرأ بعض التحليلات عن بعض الأفلام في بعض المجلات أو الصحف ، “ابحث عن شخص تستحق تحليلاته و مراجعاته القراءة بحد ذاتها.ابحث عن كاتبك في أسلوب الكتابة ، في التنظير ، في الملاحظات على الفيلم . لا تبحث أبدا عن ناقد موضوعي (غير متحيز) ، النقد كله ذاتي (متعلق بالرأي الشخصي) ” .

ـــــــــــــــــــ

(*) مرجعي في هذه الصفحات : مقال بقلم الناقد الأمريكي الشهير (روجر ايبرت) عنوانه “كيف تشاهد فيلما؟” وكل نص مقتبس في هذا المقال إنما هو منه.
روجر ايبرت ، واحد من أشهر النقاد على الإطلاق في أمريكا والعالم ، والناقد السينمائي الوحيد الحائز على جائزة بولتزر Pulitzer Prize والأستاذ مساعد في جامعة الينوي ، ومحاضر في جامعة شيكاغو فرع الفنون الجميلة ، ومؤلف لخمسة عشر كتاباً ، وكاتب في جريدة شيكاغو صن تايمز منذ 1967 .

null

*عبدالمجيد الزهراني

قبل أسبوعين، وفي هذه الصفحة، نشرت “الوطن” خبراً عن وفاة ممثل مصري اسمه سامي أحمد عبدالله. الذي لفت نظري في الخبر أن الصحيفة قالت أهم شيء عن سامي أحمد عبدالله، وهو أنه مثل في العديد من الأفلام الهامة، من بينها فيلم (الكيت كات).
“هيييه.. ربنا يرحمك ياعمّ مجاهد”.. بهذه العبارة، يحمل الرجل الكفيف محمود عبدالعزيز، جثمان سامي عبدالله، في عربة صغيرة لنقل الطوب، ويمشي به في أزقة حيّ الكيت كات بالقاهرة، في مشهد ضرير يقود جثة ميّت، في واحد من أروع وأهمّ مشاهد فيلم الكيت كات لمخرجه العبقري داود عبدالسيّد، وواحد من أهم وأجمل وأعمق المشاهد في كلّ تاريخ السينما العربية. الذي لم يشاهد فيلم الكيت كات، لم يشاهد روعة الممثل القدير سامي عبدالله، ولم يعرف كيف يمكن أن يكون العمر لا علاقة له بالعبقرية والاستثنائية والعملقة، إذ قدم العجوز سامي عبدالله في هذا الفيلم ما لم يقدمه عشرات الفنانين الصغار سناً والكبار موهبة.
مشكلة الإعلام الفني العربي، أنه لا يلتفت إلاّ لنجوم الشبّاك، من صغار السن وعديمي المواهب، وهؤلاء في الوسط الفني العربي، أكثر من الهمّ العربي على القلب، ولهذا يمرّ ممثل رائع مثل سامي عبدالله كمن لا يمرّ. يدخل المشهد التمثيلي بأبوّة طاغية وصعبة الصناعة، ويخرج من المشهد التمثيلي حتى لو كان قصيراً، دون أن يخرج من ذاكرة المتفرّج.
صنع سامي عبدالله، جمالية عشرات الأفلام في تاريخ السينما المصريّة، حتى لو لم يكن اسمه في أفيشات الأفلام التي يعتليها أبطال فارغون، وإذا كان هناك نجوم ضوء، فسامي أحمد عبدالله أحد أهمّ نجوم الظلّ. رحل (طيّب السينما المصريّة)، دون أن يحدث أدنى ضجيج، ودون أن يزعج أحداً، كمن لا يمرّ. “هيييه، الله يرحمك ياعمّ مجاهد”.



أبحث عن ساق!

null

1978م
عندما ولدتُ ظهرتَ على شاشات التلفاز شخصية كرتونية عظيمة، لكني لم أتعرّف عليها إلا في العاشرة من عمري، ولم أتصوّر حينها أن هذه الشخصية ستلازمني طوال حياتي!
(جون سيلفر)الطباخ الذي يقشر البطاطا، ويطهو الطعام، ويغني للصندوق، ويطرق الأرض بساقه الخشبية، انقلب فجأة إلى قرصان عنيد ثائر يبحث عن الكنز، (سيلفر) ترك في داخلي صوتا جهورا ، وضحكة مجلجلة، وبقايا من حكمة الكبار.

2001م
كنت على يقين أن الحياة شاقة عصيّة دون رفيق أستندُ عليه، وقد كان (صالح) نعم الرفيق ونعم المتكأ، لكنه لم يتصالح من الحياة، فلم يرضَ بالقعود، فتركني وذهب إلى جبال أفغانستان ومات هناك.
وبموته شعرت أني فقد ت ساقي اليمنى؛ فلم أعد أسلك طرق الأولياء، ولم تعد خطواتي تشق الظلمة طلبا للنور.
تركتُ المشي فتكدس الشحم تحت جلدي، لقد جعلت البدانة كفنا للوحدة، والسبات كهفي الذي لا أملَّ منه.
وكنت أبحث عن عزاء في مشاهدة (جون سيلفر)، الرجل الذي فقد ساقه واستبدلها بساق من خشب.

2011م
ثم جاء (نشوان) ، جاء ليخرجني من كهفي وسباتي، وطلب مني أن أركض، أن أفرح، أن أغني، أن أرقص..
(نشوان) يحب اللذة والبهجة، يحب النساء والسفر والصحف، وتؤلمه الخطايا فيكفّرها بالكؤوس!
يعج بيته بالصحف، ينام و يصحو عليها، يفرشها للطعام والشراب، يتكئ عليها عندما يدخن، ويصنع بها طائرات ورقية للأطفال!
فقد صحفه ذات صباح، فثمل في المساء، فأخذ يسب الجميع لأنهم سرقوا صحفه، أخذ يقرع أبوابهم ويمطرهم بوابل من الشتائم البذيئة، لكنهم لم يفتحوا له.
(نشوان) لم يقصد بابي ليقرعه، ولم يرسل لي شتيمة ليخبرني انه بحاجة إليّ.
لعن المدينة، واتجه إلى قريته، ينشد المطر، لكن الطريق لفظه في وادٍ سحيق.
وبموت (نشوان) فقدت ساقي الأخرى.

عندما يهجر القندس سده

null

إخلاصه لمشروعه الروائي خلال عقد من الزمن يفرض على الجميع احترام تجربته، وها هي روايته الرابعة تؤكد هذا الإخلاص، وتقرر هذه التجربة الثرية الشابة، تجربة لم تطلها نشوة الإصدارات الحولية، لهذا جاءت رواياته بتأنٍ ودون عجلة فلقيت قبولًا عند جمهوره الذي ينتظره دومًا.
بدأ بـ (سقف الكفاية) في وقت لم تعتد الساحة على دخول الفتيان، فكانت صدمة الشيوخ، إلا أن غازي القصيبي- رحمه الله- احتفى به كعادته مع الأقلام الواعدة. أصدر بعد ذلك روايته (صوفيا)، تلك السيمفونية التي أجادت الحديث عن قدسية الموت، وعمق اللحظات الأخيرة، ورغم صغر حجمها إلا أنها كتبت بعمق مؤثر جدًّا، فتباينت الرؤى والانطباعات حوله، حتى ظهر ممسكًا بزمام الفن بعيدًا عن إغراق لغوي عاطفي ممل، لتصدر (طوق الطهارة) ليضفي على تجربته بعدًا آخر؛ لتتسع الدائرة قبولًا له.
رواية (القندس) التي صدرت هذا العام هي آخر إصدارته، خرجت في 319 صفحة من القطع المتوسط، سردت الأحداث في أربعين فصلًا، اختار الكاتب هذه المرة العزف على الوتر الاجتماعي فانتقل بنا أثناء الأحداث بين قرار وجواب، متحدثًا عن غالب الذي اكتشف حقيقته وحقيقة عائلته بعد أربعين سنة «عندما شاهدت القندس أول مرة شعرت بالألفة» وهذه الألفة جعلت من حيوان القندس نواة يدور حولها السرد، ليتحول العالم فجأة أمام القارئ إلى عالم يعج بالقنادس، حتى أصبحت التصرفات والهيئات والمشاعر كلها تؤول إلى القندس بطريقة أو بأخرى، حتى ان السرد تأثر بصبغة قندسية غريبة، فتارة يكون كئيبًا كعينيّ القندس، وساخرًا كأسنانه، ومقززًا كمؤخرته، وحادًّا كمخالبه، وحذرًا كردة فعله، تُختزل أغلب شخوص العمل في القندس، لهذا شعر غالب بوحشة عندما غادره القندس «مبتعدًا بوداعه وهدوء، لتتبخر وجوه عائلتي في الفراغ، وينطفئ وراء جبيني مصباح الذاكرة».
تصدمه الحقيقة فيظل ينتظر القندس ويرقبه، لأنه مدين له بهذه الحقيقة التي عرفها بعد عقود طويلة، لهذا افتقده وشعر بغيابه المقلق لأنه فقد واحدًا من أفراد عائلته «كان جدنا الأكبر قندسًا ولا شك.. كان عليّ أن أنتظر أكثر من أربعين سنة حتى أفهم عائلتي وأنا أصيد السمك على ضفة ويلامت» لهذا كانت التمرة الحلوة عربون وصال عربيًا.
ينظر في سدود القندس المتناثرة، سدوده ذكرته بالبيوت التي عاش فيها، السدود التي بناها والده في الناصرية والمربع والفاخرية، السدود التي كلما يشتاق لها يداهم ساكنيها الغرباء لأنه يشتاق إلى سدوده القديمة، السدود لم تسلم من حالات تمرد «أمي القندس الوحيد الذي شذّ عن العائلة فملأنا فراغها بالأخشاب والأحزان القديمة»، ثم «منى القندس الذي انقلبت على النهر والعشب والأخشاب وهربت من البيت».
كثرة أسفاره لم تجعله يستقل بسد خاص «القندس الذي يسافر كثيرًا لا يكتمل سده» لهذا يضجر من حوله من القنادس لأنهم «لا يتحملون رؤية قندس عار دون سد» يتضجر من الرياض التي تخلو من أنهار وحياة، فيفضّل الغربة والنوم في العراء!
أحب غادة بطريقة مختلفة وهكذا هي القنادس، ودامت العلاقة أكثر من عقدين من الزمن، لم يرقص يومًا وذلك لأن القنادس «لا ترقص إلا إذا اكتمل السد» وهي نتيجة منطقية جدًّا، والسبب أن غادة ليست قندسًا مستقلًا ولن ترضى أن تعيش في سد حتى وإن حدث الاستقلال، وغالب لا يستطيع أن يعيش مع كائن ليس من فصيلته في سد واحد، والبرهان أنها عاشت معه شهرًا تمنى أن يتخلص منها ويخرجها من سده المؤقت!
ضاع العمر وطال التصحّر غابة غالب، لقد قضى بقية حياته يبحث عن أنهار ليبني سدودا من وهم، لهذا تمنى أن يتحوّل إلى قندس حقيقي» أفكر أن أطلق لحيتي لتلتقي مع بقية شعر جسدي فأتحول إلى قندس حقيقي ثم أهجر شقتي، وأقفز في النهر بحثًا عن عائلة وسد» لكنه لم يحصِّل إلا الرتابة والصقيع فهو قندس موعودٌ بالكآبة والنبذ طالما أنه لم يبنِ سدًّا ولم يكن له قنادس صغيرة ومصيره أن «يبقى وحيدًا لا يوكل إليه قرض الأشجار ولا جمع الجذوع ولا حتى رعاية الصغار، إن الجميع ينتظره لكي يغرق في النهر» حتى إذا مات القندس الكبير» أخذ كل قندس نصيبه من قوت الشتاء والصيف وقرر أن يعيش ربيعه أخيرًا قبل أن يداهمه الخريف» فيذوي إلى الأبد.
لقد تم توظيف القندس في هذه الرواية بشكل ذكي وظريف، القندس في هذه الرواية ذكرنا بسمكة همنغواي في (الشيخ والبحر) وبالكلب وردان في (حين تركنا الجسر).
الرواية إلى منتصفها كانت متماسكة حتى دخلت عليها فصول مجانية لم تقدم شيئًا للحدث، مما سبب خلالًا في بنية النص، مثل الفصول التي تحدث فيها السارد عن دراسته الجامعية، وكذلك الفصول التي سردها ثابت عن الجد الذي هو أبعد ما يكون عن القندس.
هذه الرواية تخلت عن الأنا المغرقة في العاطفة، إلى دائرة أوسع وأشمل على مستوى الشخوص، البطل لم يسلم من الترحيل حتى في هذه الرواية، أما بقية الشخوص فكان حضورها متفاوتًا بقدر كبير، فيحضر ثابت دون معنى للحضور، وتغيب منى التي انقلبت على النهر والعشب والأخشاب!
الرواية لم تتكئ هذه المرة على اللغة الشعرية، فكانت اللغة بسيطة وخفيفة تناسب محور العمل، وهذا ما جعل الكاتب يمر بمأزق شديد، إذ إن القارئ اعتاد من الكاتب لغته الشعرية التي تميز بها في أعماله السابقة والتي كانت تشفع له كثيرًا من حيث التغاضي عن الحشو والترهل وبعض العيوب والزلات السردية، وهنا يصبح الكاتب عندما يتخلى عن لغته المعهودة مثل القندس بلا نهر وسد، يصبح مكشوفا في العراء.
أما توظيفه للهجة العامية في الحوار فقد أجاده لولا الارتباك أحيانًا، فيدخل في اللهجة الحجازية ألفاظًا ليست من جنسها، أو يسوق الحوار أحيانا بالغة العربية الفصحى دون مبرر!
ورغم هذا فكون التجربة خاضت موضوعات متعددة، وألونًا من السرد فهذا في صالح الكاتب وهو ممّا يسهم في نضج وإثراء التجربة السردية.
أخيرًا: الرواية جديرة بالقراءة، والروائي يستحق الاحتفاء والإشادة بمشروعه الذي اخلص له، وهو نموذج نادر للروائي الشاب في الساحة المحلية.

رحلة إلى الأرخبيل 5

null

الرجوع إلى مدينة الوحوش (جاكرتا) ، في هذه المدينة إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب..
هنا غابة لا مجال للرحمة والتأمل والرأفة..
لا مكان للطبقة المتوسطة..
رأسماليون طغاة جشعون يأكلون الأخضر واليابس، يجمعون الثروات بأي طريقة كانت..
فقراء ينامون في أكواخهم الصدئة، على الأرصفة، ينامون تحت الشجر، لا ماء لهم إلا من أنهار الله الجارية يشربون العكر، ويغتسلون عراة، ولا يردع النظر إلا التقوى والتحضر..
الفقير يسعى كل يومه ليسد جوعه بلقيمات له ولأهل بيته، ولا فرق الكل يخرج في طلب الرزق الصغير الكبير الذكر والأنثى..
والجشع يسعى ليزداد جشعا وتخمة..
في هذه المدينة لا مجال للإنسانية؛ الأخ الغني لا يفكر في أخيه الفقير حتى لو مات أمامه جوعا، والفقير آخر ما يفكر به أن يستجدي الآخرين مباشرة..
ومن حسنات المدينة أن الطعام متوفر على قدر دراهمك وإن كان ما تملك زهيدا، فالعربات الصغيرة في كل مكان تبيع الطعام بثمن بخس جدا، تكلفة وجبة الغداء 3000 ربية أي ما يقارب نصف دولار تقريبا، والغريب أن بعض البرجوازيين ينزلون من أبراجهم وناطحات السحاب ليتناولون هذه الوجبة المكوّنة من الأرز والبيض المسلوق وبعض الخضار، وتكون ملفوفة غالبا بورق الموز..
وهذا ما يميز الغابة أيضا، أن الجميع يجد ما يأكله..

null

قبل شهور أقيمت محاضرة بمدينة الخبر عن الرواية ، ألقى المحاضرة شاب رائع يعشق الأدب، تحدث عن الرواية كفن أنيق ولذيذ التناول ، تحدث عن الكتب والكتابة، عن اللغة وفن التفاصيل الصغيرة، عن الرواية العربية والعالمية ، عن إزابيل الليندي، وأحلام مستغانمي، والروائي الصومالي نور الدين فارح
بعد المحاضرة سألت إحدى الحاضرات :
-هل هناك روائي عشريني سعودي يشدك ؟
رد بأنه: متوقف عن الإجابة .استحسنت توقفه -رغم تحفظي على السؤال الذي من المفترض أن يكون عن الأعمال لا عن الأشخاص- إلا أن المحاضر بعد توقفه وقع في مأزق التعميم : “لا شيء يطرب” ! ومثل هذا التعميم لا يصدر إلا من إنسان محيط بالتجربة الروائية المحلية. ثم عرّج على تجربة لروائي سعودي شاب، وذكر أن ما كتبه هو مجرد محاولة فاشلة لمحاكاة رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي، وذكر أن هذا رأيه وسينافح عنه بقوة، وهو رأي نحترمه جميعا. لكن الروائي الذي قصده له أربع روايات ، والعمل الذي قصده هو عمله الأول ، فكيف يحكم على كل النتاج بمحاولة فشالة ؟! تعميم المحاضر هذا دليل أيضا أنه لم يطلع على أعمال ذاك الروائي، فكيف بالروايات الأخرى وهنا تمنيت لو اعترف من البداية بعدم إحاطته للنتاج المحلي وتوقف ! أما وصفه أن أغلب النتاج المحلي لا يعدو كونه سير ذاتية وأدب اعتراف، فأتصور أن هذا ليس عيبا فنحن في النهاية نكتب سيرا ذاتية – حقيقية كانت أو افتراضية- ، العبرة في مآل تلك الأعمال ، هل نجح كتّابها في تحويلها إلى فن؟ كما هو الحال مع مؤلفات الصعلوك/ محمد شكري ، الذي كانت تصنف أعماله بـ( سيرة ذاتية روائية) !

مواضيع لاحقة »